الحجة المكتوبة بالدم | د. سلوى الوفائي

أول الغيث قطرة، هكذا علّمتنا السماء، بعد رسائل متواصلة يزمجر فيها الرعد، و يتألق فيها برق يخطف الأبصار، و ماذا في الكون أعلى صوتاً من صوت الحرية المتجذّرة في تربة تنضح بالدماء؟ و ماذا في الكون ألقٌ أشدّ إضاءة من لمعان سف الحقّ و قد أُشهر في وجه الطغيان؟ بعد عامين أمطرت و كان الغيث قطرة، سورية الشعب، سورية الثورة، سورية الحرية تتبوأ مكانها الصحيح على تضاريس الوطن العربي، و تستردّ بقوة الصبر و الصمود حقّها في تمثيل سورية أرض المعجزات على الخريطة العربية. لقد أعطت جامعة الدول العربية لسورية الثورة نسغ الحياة بقرارها، معبّرة عن أمانينا، التي تحمل في طيّها قضايانا المحقّة. و فتحت بوابة استحقاقات الشعب السوري على مصراعيها عربياً و عالمياً و قطعت الطريق على كلّ المتشككين المذبذبين المارقين في انكار هذه الاستحقاقات و المراوغة حولها و عليها.

بعيداً عن العاطفة و الحماس الذي ألهب صدورنا إذ استمعنا لكلمة معاذ الخطيب، فقد أعطى معاذ الخطيب الأشياء مسمّياتها الحقيقية، و كان واضحاً، صريحاً مباشراً، اختصر أهم أوجاع الشعب السوري و القضايا الملّحة في ثورته العارمة. كان مسلحاً بألف شهيد و آلاف المعتقلين و ملايين المشردين، و منهم استمد قوة خطابه، فالمواطن من رفعة الوطن يستمد شموخه، كما الوطن من تضحيات أبنائه يستمد عزّته و كبريائه. و لا وطن دون مواطنة، فالسلسة مترابطة و المجد في أحد حلقاته مجداً للآخر، بداية و نهاية، و ما بينهما، يشمخ الفعل الثوري الذي كان حلماً، جسّده أطفال درعا كلمات تزّين جدران الحرية، فكانت باكورة النطلاق نحو البطولة و الشرف.

سورية لم تعد ترفل بسواد الحداد، بل دخلت الزمن الأرجواني، زمن الشهادة الذي تعيشه واقعاً منذ عامين، لقد أقسم الشعب أن لا يعيش مع الظلم تحت سقف واحد، و أن لا يكون غنماً سائمة في مراتع العبودية، و شبّ عن طوق الاستبداد جداً، و بعد أن كان يخشى التنفس أصبح ينام بين الدبابات و تحت الصواريخ و فوق الركام و أشلاء أحبته الذين سبقوه في المجد، و ما كان في الخاطر أن يصبح اللغم لعبته المفضلة، و الرصاصة برقيته العاجلة، و حين تزهر الدماء في العروق، تتفتح شقائق النعمان في شظايا المتفجرات، في لوحة تحدّي لاحتلال دام نصف قرن، عرف طريق التحرير و سار عليها غير مبال بالعواقب طالما أن الحرية ثغر يبتسم آخر النفق و يضيء كهف النضال بنور العطاء و البذل.

جميلة كانت ليس لأنها كلمات معاذ الخطيب بل لأنها من الدم نسجت، و من التضحيات صيغت و بدموع الثكالى عجنت، جميلة كانت لأنها فتحت بوابة استحقاقات الشعب السوري على مصراعيها، ليتبوأ أخيراً مكانته الطبيعية، في حضن العروبة أولاً ثم في الخريطة العالمية، و لم يبق إلا أن ينصاع العالم لإرادة الشعب السوري و إسقاط شرعية الأسد و نظامه البائد بالكامل بمنح سورية الشعب مقعدها في الأمم المتحدة و طرد سفير نظام الظلم بشار الجعفري منها، و طرد جميع سفراء النظام الأسدي و استبدالها بسفارات وطنية تحمل الهوية الثورية و تتزيّن بعلم الثورة المخضّب بدماء من ضحى و أسس و مهّد الطريق لانتصارات اليوم. عزلة النظام الأسدي بدأت تتجسد واقعاً و أوراقه الأخيرة بدأت تسقط، منذرة العقول بقرب النهاية، و تكسر أحلام من لا يزال يتوهم مشككاً بها و مصرّاً على دعم أربابه الفاسدين تملّقاً أو تعبّداً أو خوفاً و رهبة.

مركب الأسد ثقبت الأمس عملياً و فعلياً، و بات الغرق وشيكاً فمن كان حب الحياة أكبر في قلبه فليقفز بعيداً عنها، و من كان الكبر الغطرسة و العمى أولياؤه فلينتظر لحظة الهلاك، فحين يهلك الشيطان سيهلك معه كلّ من أضلهم معه، و استكبروا عن الحقّ استكبارا، و لن ينفع لحظة الهلاك توبة، و ندم.

هنيئاً لسورية الشعب، سورية الثورة أول المكاسب السياسية و هنيئاً لشهدائنا بداية تحقيق الوعد، و رغم وعورة الدرب، و تلبّد السماء بالغيوم، فنحن نثق بمستقبل سورية الواعد، كحقل من سنابل قمح بات حصادها وشيكاً، و ما أخلف القمح وعده، نثق أن النصر قادم لأن إرادة الشعوب لا تقهر، و لأن الله مع الصابرين إذا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فطوبى لكلّ صامد صابر مرابط واثق من قدرة الله على نصره و أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

تعليق 1
  1. حسين عتوم يقول

    و ما أخلف القمح وعده .. بورك القلم و برئ الألم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.