الحجاب، امتحان لمفهوم الحرية

بقلم: د. سميرة مبيض –  سميرة مبيض

من بين المفاهيم الخاطئة التي تمكنّت في المجتمع مفهوم التعميم الذي يتضمن شمل جميع العوامل في تفسير واحد خاطئ بطبيعة اعتماده على دمج مسببات متخالفة للحصول على النتيجة، فالبشر على الأرض سبعة مليارات تقريباً ولكل منهم منهج تفكير لا يلتقي بكلّيته مع أي فكر آخر بل هي التقاءات جزئية تقود لبروز أفكار ومفاهيم جديدة.

القولبة التي ترافق موضوع حجاب السيدات في مجتمعنا تدخل تحت هذا المفهوم الذي جمعها تحت نتيجة واحدة في حين أن منطلق ارتدائه والسبب الدافع له يختلف جذرياً بين سيدة وأخرى. فهناك من ترتديه مقتنعة منطلقة من إيمانيات ومعتقدات تتمسك بها بحريتها وهناك من ترتديه رغبة بالزواج من مجتمع يتطلب هذه التقاليد وهو اختيارها وهناك من ترتديه متأثرة بكل بساطة بمحيطها من الأهل والصديقات والداعيات و غيرهنّ و لم تكن بها حاجة الى تفكير معمّق بالأمر.

يتعلق الأمر هنا بالاختيار والحرية الشخصية لكل منهنّ وواجب كل من يؤمن بمفهوم الحرية أن يدافع عن اختيارهنّ ان كان منشؤه حرٌ ولكننا اذ نتبنى مفهوم الحرية الكاملة هنا فهي ذات الحرية لمن فُرضَ عليها الحجاب فرضاً من أي جهة عائلية أو دينية والدفاع عن حريتها باختيار ما ترتدي يحمل نفس القيمة الأخلاقية.

لكن موضوع الحجاب لا يقف هنا فهو ليس مفهوم ثابت كما يحلو للكثيرين فرضه بل هو يتفاعل مع الإطار الزماني المتعلق بعمر السيدة وتطور قناعاتها سلباً أو ايجاباً مع هذا الأمر والإطار المكاني الاجتماعي الذي تعيش فيه والذي قد يُغير توجهاتها وخياراتها بما يوافق محيطها و هي في جميع الحالات محقّة و الأحقّ بتقرير مسارها.

فموقف الحرية وكل من يحمل رايتها بحقّ سيخضع فقط للسبب الدافع لاتخاذ هذه الخطوة وليس للأمر بذاته.

يقودنا ذلك الى التصنيف المغلوط المقابل الذي يُفرضُ على كل من يُعارض المظاهر الدينية باتهامهم جميعاً بأنهم متعصبين، منحلين أخلاقياً وغير ذلك من النعوت رغم أن هؤلاء لا يدفعهم نفس المحرك في فكرهم، فمنهم من يدفعه التعصب فعلاً دون فهم كاف للمسألة برمّتها ومنهم من يدفعهم الدفاع عن حق الانسان الكامل باختيار جميع مسالك حياته لدعم حريته في طريقة الملبس التي توائم ارتياحه و كيف يجد نفسه ضمن مجتمعه.

فلا يختلفُ سوء استخدام البعض للعلمانية زوراً ضد حاملي المظاهر الدينية عن و سوء استخدام البعض لاتهامات باللاأخلاقية و بالعنصرية والتعصب زوراً لمهاجمة كل من يخالفهم الرأي في أي سياق، فاحترامهم الحقيقي ينبع من قبول المعاملة بسواسية بالواجبات كما هي بالحقوق.

جميع المظاهر التي تحمل رمزية دينية هي امتحان لمفهوم الحرية للطرفين المرسل والمتلقي وتعتمد قبول كلٌ منهما بأن الآخر يمتلك نفسه وفكره وليس من وصاية لإنسان حر على آخر طالما امتلك عقله.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.