الحثالة البشرية.. الشارع ثقافة الرعب والتهديد للبشر

بعض العسكر الحمقى الذي يعيشون على حطام وأشلاء هذه البلاد ويعصرونها في رمقها الأخير. الشارع السوري أصبح ملك للحثالة البشرية تماماً مثلما قيادة سوريا السياسية والدينية والاقتصادية محكومة من حثالة السلطة المتعفّنة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

أبو علي صاروخ، بسمار كبس، عبدو الأمزيك، الشنشل، ومئات من الألقاب الأخرى التي يمكن لأي شخص عاش في مدينة حلب أن سمع بها. وهناك من كان على علاقة بهم، أو حلقات أصغر في كل حي من أحياء حلب، يمكن لأي شخص مشاهدتهم يقفون في منتصف الليل على زوايا الحارات ويمارسون الضجيج والصياح وهم يتعاطون المسكرات، مجتمع كامل من متعاطي الحبوب، لاعبي القمار، قوادون للعاهرات المنزلية، مغتصبو أطفال – ذكوراً وإناثاً – والأهم لهم علاقات مع القوى الأمنية في سوريا، وبطريقة أخرى هؤلاء أنفسهم الذين أصبحوا يدافعون عن النظام ضد مناهضي النظام السوري بعد 2011.

هذه النماذج لم تكن شيئاً عابراً في حياة المجتمع السوري، أو ظهرت فجأة بعد الحراك الذي صار في سوريا، بل هم شريحة كانت تعيش بيننا وكأنها حالة طبيعية دون أن نعي دورها، وهذه الشريحة لم تكن في حلب فقط، إنما في كل مدينة أخرى، ويمكن القول أنّ هذه النماذج موجودة في أي مجتمع من دول العالم الثالث يعيش رهبة القمع والديكتاتوريات.

لقد كانت تلك الشرائح الاجتماعية جزء أصيل من ثقافة الحياة والناس، ووجود سلوكياتهم العفنة وتنمّرهم واعتداءاتهم على البشر بشكل صريح أو مخفي، هو منطق الحياة الطبيعية في سوريا، وكأنّ وجودهم الواقعي مثل البكتيريا يجب على المواطن أن يتأقلم معها، وبطريقة أخرى كانوا مدعومين من النظام السوري، تماماً مثل بائعي البسطات والأكشاك ومحلات الخمور، الجميع كان على علاقة كاملة مع الأجهزة الأمنية.

كانت تلك الشرائح الاجتماعية جزء أصيل من ثقافة الحياة والناس، ووجود سلوكياتهم العفنة وتنمّرهم واعتداءاتهم على البشر بشكل صريح أو مخفي، هو منطق الحياة الطبيعية في سوريا، كانوا مدعومين من النظام السوري، الجميع كان على علاقة مع الأجهزة الأمنية.

بالطبع ليس الهدف من ذكر هؤلاء الأشخاص أو غيرهم، هو أن نقول المعلومات اليقينية والتي يعرفها أي شخص ولا مجال للتشكيك بها أصلاً، من أنّ النظام استخدم من هم أسوأ من أولئك في قمع مثقفي سوريا ومناهضي النظام السوري، إنما ذكرت النماذج السابقة لأتحدث عن وجودهم كثقافة ووعي مسيطر على الشارع، إنها مسألة كانت شائعة في سوريا قبل 2011 بكثير، الشارع كلعنة مخيفة من السير به وحيداً، وبالأخص إن كانت فتاة أو شاب لا زال في مرحلة النشوء والمراهقة.

جميعنا تقريباً تربينا على أنماط ثقافية جاهزة في أسرنا.. “لا تتحدثوا مع الغرباء، لا تأخذوا شيئاً من أحد، لا تقفوا في الشارع، من المدرسة إلى البيت مباشرة، لا تصغوا إلى أحد.. الخ”. عشرات من النصائح الجاهزة في كل بيت، وليست موجهة للفتيات فقط، بل للذكور أيضاً.

ثقافة اجتماعية كاملة تخشى الشارع وتؤلف حوله المقولات والقصص المخيفة والأساطير، ليس بالمعنى التربوي التقليدي في إنشاء منظومة حكائية من الجدات للأطفال كي يناموا، بل بشر بأكملهم مقتنعين كلياً أنّ الشخص إذا لم يصل إلى مرحلة النضوج الكافي فلن يكون قادراً على مجابهة وحش الشارع الذي يمكن أن يخطف وعي المراهقين ويذهب بهم إلى هاوية الرذيلة.

هذا الشارع الذي كان طبيعياً في عصر سابق – عصر ما قبل آل الأسد – حيث كان الفتى الصغير والمراهق يستطيع العمل والسير وحيداً وحتى أن يعمل بالسياسة، ويكون قادراً على الإنتاج والفهم وتحمل المسؤوليات، بغض النظر عن تقليدية الفعل؛ لكن مع وصول الأسديين للحكم، أصبح الشارع سلطة للحثالة البشرية المتنمّرة والتي تستمد قوتها من القبضة الأمنية المنتشرة في كل مكان.

عشرات من الحكايات والمشاهدات المسجّلة في ذاكرة الناس، التحرش اللفظي والعملي للفتيات، اغتصاب في الحدائق، ممارسات مخفية، حبوب وهلوسات ومسكرات، وحتى تحرّش بالذكور واغتصاب الأطفال، شرائح اجتماعية وحثالة أصيلة كانت تعيث فساداً في المجتمع السوري، دون أي رادع قانوني؛ وفي النهاية يخرج بعض الأشخاص ليسألوا ببلاهة لماذا ثار البشر على النظام السوري!.

الحثالة التي كانت تنتشر بالشارع ومدعومة من النظام ليست السبب الرئيسي لانتفاض الشعب، لكنها جزء مهم من معاناة يومية كانت قائمة، وكانت جوهر أساسي ليحلم هذا الشعب بسيادة قانون يحاسب حثالات الشارع بالقضاء دون رشاوى وتزوير.

بالطبع الحثالة التي كانت تنتشر بالشارع ومدعومة من النظام ليست السبب الرئيسي لانتفاض الشعب، لكنها جزء مهم من معاناة يومية كانت قائمة، وكانت جوهر أساسي ليحلم هذا الشعب بسيادة قانون يحاسب حثالات الشارع بالقضاء دون رشاوي وتزوير، ودون أن يكون لهم يد في السيطرة والتنفّذ دون محاسبة.

يذكر الأقدم سناً قصص عن الشارع السوري في الأربعينات والخمسينيات والستينيات كحالة طبيعية فيه المشكلات التي تجري في كل مكان، لكنها لا تعدو عن خلافات إنسانية قد تصل إلى مستويات جريمة أحياناً، لكن في شارع سوريا بعد الأسد، أصبحت خشية الشارع والخوف منه، والابتعاد عنه، بسبب الجريمة السهلة (السرقات، القتل، الاغتصاب، النهب المسّلح، التنمّر في أحسن الأحوال) هو جوهر الشارع السوري.

واليوم كثرت هذه المعضلة بكل تأكيد بعدم وجود قانون يحكم الجميع، أو بوجود بعض العسكر الحمقى الذي يعيشون على حطام وأشلاء هذه البلاد ويعصرونها في رمقها الأخير. الشارع السوري أصبح ملك للحثالة البشرية تماماً مثلما قيادة سوريا السياسية والدينية والاقتصادية محكومة من حثالة السلطة المتعفّنة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.