الحب أهم مايحتاجه الوطن

الأيام السورية| آلاء محمد

الذكريات تحوم أمامي كطيف وكميتها الكبيرة تجبرني على التوقف قليلاً والتفكّر بها.

أين أنا الآن؟ وأين هذه الذكريات؟ تتساقط الصور في مخيلتي تبرق واحدة أكثر من الأخرى، لحظات لايمكن للمرء تجاهلها.

ذكرياتنا ترتبط بالأرض والحارات والأزقة الضيقة ورائحة الياسمين وعطرصديقتي العلوية “يولا” الذي تدّعي أنّه هدية من حبيبها.

خمس سنوات من الصداقة والضحكات والمقاهي الدمشقية وطُرفها المضحكة ولهجتها الجميلة.

تعرّفت على “يولا” في معهد التمريض وعملنا بنفس المشفى وبالقسم ذاته، كانت صداقتنا قوية جداً ولم تنته؛ فأنا أثق أنها تذكرني كما أذكرها.

في أحد أيام عيد الحب وأثناء عملنا في إحدى مشافي دمشق أنهينا واجباتنا بإعطاء المرضى أدويتهم الصباحية، جلسنا كتفاً على كتف، وقالت لي: “أوف يا، أفي حدا يتزكرنا بشي هدية شحاري علينا”..رددت عليها بتنهيدة قصيرة.

في نهاية الدوام تعهدنا أن نستمتع بهذا اليوم، وبالفعل ذهبنا إلى الشام القديمة تمشينا في حاراتها وضحكاتنا ربما سمعها المارة، كانت شخصيتها مرحة جداً، وبعد مشوار جميل ومتعب من شدة المشي عدنا كل واحدة لمنزلها.

بيتي قريب من السوق وأثناء عودتي لفت نظري دب أحمر جميل فقررت أن أشتري لها هدية بمناسبة عيد الحب لم أكن أعرف وقتها أنها تذكرتي بهدية  أيضاً.

عند لقائنا صباحاً في دوامنا قدّمت هديتها وقالت، ” اشتهيتلك هي مشان ماتقول شي يوم تضرب هيك رفيقة”.

“سأشتاق لك ياصديقتي الغالية وسأتواصل معك فور وصولي إلى تركيا” .. كانت هذه آخر رسالة أرسلها لها؛ ومن ثم أضعت جوالي ولم أعد أستطيع التواصل معها

صديقتي العلوية ليست الذكرى الوحيدة التي تخطر في بالي دائما، فكثير من الصور ترتسم أمامي عن أصدقاء عرفناهم، وربطتنا بهم مشاعر حب واحترام، نحب بغضّ  النظر عن الطائفة أو الدين.. كانت هذه الأمور آخر همنا.

لم أذكر كلمة علوية لأنني طائفية -لا سمح الله- ولكن لكي أوصل للعالم أننا كنا أحباء ولم تفرقنا سوى الأحداث السياسية.

فنحن السوريون لم نكن طائفيين سابقاً..

أما الآن فأصبحنا مثقلين بحملها وصارت سوريتنا كجسد  أدمته كدمات الخيبات من أبنائها.

لماذا جردونا من حقّ الحب بدون شروط، وأدخلوا الدين بكل شي وأشبعونا كذباً وكفراً، ومن لحوم بعضنا نسجوا سجاداً لهم وغسلوها بدمائنا ليخفوا قذارة أعمالهم.

وبعد هذا الكم الكبير من الدم ..أيقنت أنّ الحب هو أهم مايحتاجه الوطن.

الحب هو بلدي، هو سورية، هو أن تمشي مبتسماً لعابر طريق لا تعرف عنه سوى لون قميصه… أن تذهب لمقهى تشرب قهوة عربية مليئة بالهال، أن يعجبك بناء الكنيسة وأن تذهل أمام جمال المسجد، أن تتمنى زوال الحرب.

الحب أن تقبل كل سوري عاش فوق ترابها…. شرب من مائها وتمازجت ذكرياته مع كل أبنائها.

الحب أن تزول الحرب اللعينة.

أن يستيقظ الشهداء من نومهم العميق.

أن نلتقي بأصدقائنا القدامى ونتمنى لهم حياة سعيدة.

أن تنتهي الغربة الموحشة، و تلمس الشمس عتمتنا الباردة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.