الجيش العربي السوري عندما تضيع البوصلة

عندما تنحرف البوصلة يضل السائرون الطريق؛ تلك قاعدة عامة ﻻ يمكن إلا التسليم لها.

الأيام السورية؛ حنظلة السوري

المشهد السوري منذ نهاية اﻻحتلال الفرنسي وموجة اﻻنقلابات العسكرية على الحكم المدني وصوﻻً إلى الذروة في عهد حافظ اﻷسد الذي استطاع بناء هيكلية مختلفة للجيش ضمن فيها وﻻء قيادته وتهميش أفراده تُنْبِئ بالمأساة السورية من حماة إلى جسر الشغور في ثمانينات القرن الماضي إلى ربيع العام 2011 في عهد الوريث بشار اﻷسد.

انخراط الجيش السوري بالحياة المدنية واﻹمساك بمفاصل الدولة أخذ شكلاً آخر في عهد حافظ اﻷسد؛ فقد انتقل ليصبح بيدقاً تحركه العقلية اﻷمنية التي تستهدف المحافظة على السلطة وتركيزها بيد عائلة اﻷسد.

الشعب والجيش إيد وحدة:

أحد الشعارات التي هتف بها المتظاهرون السلميون بدايات الحراك الشعبي ضد نظام اﻷسد؛ ما يعني وجود حالة من اﻻحترام لتلك المؤسسة المفصلية في حياة الدولة السورية؛ بعيداً عن بنيتها التي سادها الفساد في زمن اﻷسد.

“الشعب والجيش إيد وحدة”… عملياً؛ لم تكن مجرد شعار بقدر ما كانت رسالة موجهة إلى العناصر أفراداً وضباطاً؛ لتحييدهم عن الصدام مع الشارع ورغبته في التحول السياسي السلمي.

نظرة الشارع في ذلك الحين كانت قائمة على فكرة “وﻻدنا هنن الجيش”، بمعنى أنّ المكوّن لتلك المؤسسة يتشكل من المزيج السوري الذي تؤلفه البنية العرقية والمذهبية للمجتمع بكل طبقاته وتنوعه الأصيل.

الرسالة الشعبية السابقة وصلت، حتى بدا واضحاً أنّ اﻻنشقاقات الكبيرة التي حصلت على مستوى اﻷفراد وبمختلف الرتب العسكرية إبان المواجهة وقمع المتظاهرين السلميين في سورية قد أثّر في بنية الجيش التابع لنظام اﻷسد؛ ما يبرر استدعاء الميليشيات التي ترتكز في أهدافها وعملها على البعد الطائفي؛ وهو ما جرّ المعركة عمداً إلى طريقٍ آخر، كان للمعارضة السورية الهزيلة فكرياً وسياسياً دوراً في قبول منطق الانتقال إلى اﻷرض اﻷخرى التي أرادها النظام السوري.

النقطة السابقة مهمة في ترجمة حياة مؤسسة الجيش السوري المنهار عملياً، والتي ستؤول في مرحلة لاحقة إلى أن تصبح تنظيماً عسكرياً يجمع الميليشيات المقاتلة على الأرض، وينظم حركتها لوجستياً.

اﻷيادي الخفية:

انطلاقاً من الكلام السابق فقد ساد اعتقاد لدى الشارع بأنّ جيشهم يقتلهم؛ الفكرة إلى حدٍّ ما خاطئة، عمليات القتل كانت ترتكب من عناصر الشبيحة والميليشيات المستقدمة من الخارج، وبموافقة من قيادات الجيش الموالية وذات المصلحة في تأجيج المشهد.

ما بعد عمليات القتل التي استنزفت الطرفين الموالي والمعارض، بدت ملامحٌ اندثرت تدريجياً بفعل الخطاب الطائفي، مفادها وجود أيادٍ خفية لها مصلحة في تعميق الشرخ بين الجيش والشارع، مع اختلافٍ واضح في دور بشار الأسد؛ بين رؤيةٍ تدعم قبوله بما يحدث أو على اﻷقل سكوته الذي بدا تواطؤاً، وبين آخرين يرونه بلا حولٍ وﻻ قوة. غير أن تلك النظرية أثبتت الأيام عدم صحتها.

التاريخ واﻷحداث المتسارعة اليوم تكشف الكثير من التفاصيل؛ فالنظام السوري منذ تولي حافظ اﻷسد وزارة الدفاع في ستينات القرن الماضي، حتى انقلاب تشرين الثاني 1970بدا جلياً أنّه يسير ضمنياً لحماية حدود إسرائيل.

حرب تشرين التحريكية أكدت حقيقةً مفادها أنّ حافظ الأسد لا يريد إلا الحدود التي يحكمها، والثمن بلا شك حماية أمن الكيان الصهيوني، ﻻ يمنع ذلك من حدوث مناوشات عسكرية دعائية أكسبته شعبيةً داخلية وعربية.

عملية إفراغ محافظة درعا مؤخراً من ثوارها، والتصريحات التي خرجت عن السفير الروسي في تل أبيب، أناتولي فيكتوروف، أن السيطرة على الحدود السورية مع إسرائيل ستكون فقط للجيش النظامي السوري ولن تتواجد هناك تشكيلات أجنبية، وخاصة إيرانية أو حليفة لها. تبعث برسائل واضحة داخلياً وخارجياً.

إنّ دور نظام الأسد قائم ومستمر يهدف إلى ضمان حدود إسرائيل، وهي ضربة أخرى من أصدقاء النظام السوري -بحسن نية طبعاً-ما ينسف نظرية المقاومة والممانعة التي لم تكن إلا شعارات تغنّى بها البعض على الفضائيات.

في عيد الجيش السوري ما موقف الشعب؟

ﻻ وجود لشعبٍ يرفض أو يعادي جيش بلاده، تلك قاعدة أخرى والشارع السوري لم يشذ عنها، حتى وإن روّج اﻹعلام أن القتال الدائر في سورية بين متمردين يحاولون كسر شوكة الجيش؛ فالحقيقة التي رأيناها بأعيننا تؤكد انهيار المؤسسة العسكرية لصالح ميليشيات متنوعة الجنسيات “إيرانية، عراقية، أفغانية” وغيرها تحت رداء طائفي.

الشارع السوري كان يحاول تخليص الجيش من الفاسدين، وإبعاده أو تحييده عن الحراك السلمي من أجل التغيير السياسي، بل أراد أن يكون لهذه المؤسسة دوراً في حماية العيش المشترك والانتقال إلى مرحلة أخرى في حياة الدول، يكون فيها صمام الأمان.

الكلام السابق ليس تبرئةً لجيش اﻷسد، بل تبرئةً للجيش السوري الذي حمل مسمىً آخر، ثم فُرَضَتْ عليه المعادلة الدولية تهميشاً وإضعافاً، وأسهم في وأد قوتها المعارضة السياسية التي حاولت جر تلك النواة إلى معسكرات الدعم ومستنقعاتها الموحلة؛ ليدفن الجيش الحر في مقبرةٍ دون صلاة الجنازة، ولا شهود على قتله إلا ضمائر الشارع التي بكت ذاك المشهد.

ميدانياً؛ ﻻ وجود لجيش وطني سوري حقيقي اليوم، المقاتلون على اﻷرض تشكيلة غير متجانسة في حقيقة اﻷمر، وإن بقي مجموعات تقاتل مع الأسد فهي بقايا من أولئك الذين أضاعوا البوصلة وانساقوا خلف فرعونهم الذي صاح فيهم وصدقوه حين قال: ((مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ))، فصدق فيهم قول الله تعالى: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)) الزخرف:54.

بطبيعة الحال الشارع السوري انتظر نواةً طيبة لجيشٍ وطني لكن الخذلان من القريب والبعيد فرض معادلته… مأساة الجيش السوري ضياع البوصلة.

مصدر arabic.rt
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.