الجولان وحرب لبنان الثالثة المحتملة

ماجد الشيخ
يتجه الوضع العسكري في الشرق الأوسط إلى أن يكون أكثر سيولة وسخونة، في ظل المواجهات المتفرقة والتقلبات غير الراسية على أي بر، فيما تنذر المواجهات بالتحول إلى حرب جديدة، أو إلى ما يسمى “حرب لبنان الثالثة”، مع شمولها، هذه المرة، هضبة الجولان السورية المحتلة. على الرغم من أن القيّمين على المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يعترفون بأنّ الطرفين المعنيين بالحرب المحتملة (إسرائيل وحزب الله) لا يريدان، في هذه المرحلة، مواجهة واسعة على الحدود، ومن المستبعد أن يحدث ذلك. لكن، لا يمكن نفيه بالمطلق، إذْ إنّ حادثة صغيرة على الحدود، يمكن أن تجر الطرفين إلى ردود وردود على الردود، من شأنها أن تسبّب حرب لبنان الثالثة.
في هذا الشأن، تناول تقرير لصحيفة معاريف الإسرائيلية، أخيراً، الإجراءات والعوائق التي يعمل الجيش الإسرائيلي عليها على الحدود، بهدف عرقلة أي توغل قد يقدم عليه مئات من عناصر حزب الله، بهدف احتلال مستوطنات حدودية، مشيرة إلى العقبات المنجزة في منطقة مستوطنتي شلومي والمنارة، وأخرى ما زالت في طور الإنجاز.
وأخيراً، أفادت مصادر عسكرية إسرائيلية، نقل عنها موقع (والا)، بأنّ “الجيش الإسرائيلي يُتابع، عن كثب، نشاطات حزب الله العسكرية في سورية، وتحديدًا في ما يتعلق بأسلوب قتاله واستخدامه التشكيلات القتالية بمشاركة المدفعية والطائرات بدون طيار، الأمر الذي مكّن الحزب من تحقيق إنجازات في ساحة المعركة”. وبحسب المصادر نفسها، فإنّ التقدير السائد في إسرائيل أنّ “في حوزة حزب الله عشرات الطائرات بدون طيّار، يستخدمها في القتال الدائر في سورية”.
وفي شأن ما جرى في الجولان، أخيراً، تناول المحلل العسكري لصحيفة معاريف، يوسي ميلمان، الأحد الماضي (23/8/2015)، عملية إطلاق الصواريخ باتجاه الجولان والجليل، خلال الأسبوع الماضي، والرد الإسرائيلي، معتبراً أن ذلك يشكل دليلاً على عمق الاختراق الاستخباري الإسرائيلي، حيث إن إسرائيل استعدت للعملية، قبل تنفيذها. وفي الوقت نفسه، تساءل عن محفزات إيران لتنفيذ الهجوم في هذا التوقيت، قبيل المصادقة على الاتفاق النووي في الكونغرس.
ولهذا، لم يكن الهجوم الصاروخي مفاجئا للأجهزة الأمنية والاستخبارات، وأنه كانت هناك إنذارات سبقت إطلاق الصواريخ، وتم الاستعداد لها، وكان الرد الإسرائيلي متدرجا، لكنه واسع النطاق. حيث استهدف الجيش الإسرائيلي مواقع وقواعد وأنظمة اتصال تابعة للجيش السوري، مستخدما المدافع والصواريخ المضادة للدبابات في البداية، وطائرات سلاح الجو الإسرائيلي لاحقاً. وفي مرحلة معينة، كشف مصدر عسكري إسرائيلي أن حركة الجهاد الإسلامي هي التي أطلقت الصواريخ، بتوجيه من قيادي في “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، يدعى سعد أزيدي.
ولفت ميلمان إلى أن الجيش الإسرائيلي يمتنع، في الغالب، عن كشف أسماء ضباط وقادة عملانيين وميدانيين في المستويات المتوسطة لـ “العدو”، حتى لا يكشف مصادر معلوماته وأساليب عمله. ولكن، في هذه المرة، قرر الجيش إرسال رسالة إلى إيران، مفادها بأن “إسرائيل تعرف كل شيء عنكم”، وأن هذه المعلومات مكّنت إسرائيل من استهداف المجموعة التي أطلقت الصواريخ، بينما كان أفرادها، يتحركون بمركبة من طراز “بيجو” على بعد 15 كيلومترا من الشريط الحدودي.
وما يجدر ذكره، هنا، أن عملية مماثلة كانت قد نفذت بدقة، تم فيها اغتيال أفراد المجموعة التي كان يقودها جهاد مغنية، قبل نحو نصف سنة، مع جنرال إيراني في منطقة القنيطرة، والتي نسبت لإسرائيل. ما يدفع ميلمان إلى التعليق بالقول إنه لا يزال من غير الواضح ما الذي يدفع إيران إلى تسخين الحدود مع إسرائيل، خصوصاً في هذا التوقيت، حيث تنتظر طهران بفارغ الصبر مصادقة الكونغرس على الاتفاق النووي، ما سيؤدي إلى إزالة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. ومعلوم أن معارضة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الاتفاق النووي، تستند إلى ادعاء أن الأموال الإيرانية التي سيفرج عنها، بعد إزالة العقوبات الاقتصادية، ستستخدم لـ “تمويل الإرهاب”. ولهذا، تدرك طهران أن “أي عملية إرهابية من سورية ضد إسرائيل، بتوجيه إيراني، قد تؤدي إلى دهورة الأوضاع بسهولة، وحصول تصعيد خارج عن السيطرة، خصوصاً وأن النظام السوري المنهار بات يسيطر على أقل من 20% من الأراضي السورية”.
وفي تفسيره لما يجري، يقول ميلمان إن المصادر العسكرية الأمنية الإسرائيلية تجد صعوبة في الإجابة عن ذلك، فهناك من يقول إن إطلاق الصواريخ هو رد على مقتل الجنرال الإيراني الذي قتل مع جهاد مغنية، وهناك من يقول إن إيران معنية بتوجيه ضربات لإسرائيل في كل فرصة، من دون أن توجه إليها أصابع الاتهام.
على الرغم من كل الأحاديث التي تتوقع سيناريوهات عديدة للمواجهة المقبلة، فقد حذرت مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة من انجرار إسرائيل إلى حربٍ شاملةٍ في المنطقة، بسبب الاتفاق النوويّ مع إيران، مؤكّدة أنّ حزب الله وإيران يرفضان، حاليًا، المُواجهة العسكريّة. وتأتي هذه التحذيرات، في وقت تواصل إسرائيل جمع معلومات عن تحركّات حزب الله في كلٍّ من سورية ولبنان، من أجل تقديم هذه المعلومات للأميركيين، لكي تثبت لهم أنّ الحزب الذي يتلقّى الدعم الماديّ والمعنويّ، من إيران، يعمل على زيادة ترسانته العسكريّة، بهدف مهاجمة إسرائيل، بإيعازٍ من طهران.
وتطرق مُحلل الشؤون العسكريّة في صحيفة يديعوت أحرونوت، أليكس فيشمان، إلى القضية، وقال إنّ الضباط والجنرالات الإسرائيليين الذين تمّ تجنيدهم لهذه المعركة، يُواجهون صعوبات جمّة في إقناع الأميركيين بصدق الرواية الإسرائيليّة، مضيفاً، نقلاً عن مصادر أمنيّة، أنّ “الحزب يوجه، في الفترة الأخيرة، رسائل غير مباشرة لإسرائيل، مفادها بأنّه ليس معنيًا بالمُواجهة مع إسرائيل في هذه الفترة”. وتؤكد المصادر أنّ “إيران لن تُقدم على تفعيل حزب الله في مواجهة إسرائيل، في هذه الفترة بالذات، لأنّها تُريد استثمار الاتفاق النوويّ لمصلحتها، وإقناع الكونغرس الأميركيّ بأنّه، خلافًا لمزاعم إسرائيل، فإنّها لا تعمل على التصعيد في الجبهتين السوريّة واللبنانيّة”. وحذّر فيشمان من أنّ إسرائيل قد تدفع ثمنًا باهظاً، إذا أقدمت على حربٍ شاملةٍ في المنطقة، لافتًا إلى أنّ التصريحات الإسرائيليّة بشأن الاتفاق النوويّ مع إيران يُمكن أنْ تكون أحد العوامل المركزيّة لإغراق إسرائيل في حربٍ شاملةٍ.
في هذه الأجواء الملبدة برائحة البارود المتبادل، كشفت مصادر عسكرية إسرائيلية “أنّ الجيش الإسرائيلي يستعد، بالفعل، لسيناريوات حرب في مواجهة حزب الله، مع إدراكه المسبق أنّ الحزب لم يعد مجرد منظمة صغيرة، بل بات تنظيمًا عسكريًا يُشبه الجيوش النظامية، ولديه ترسانة من الوسائل القتالية المتطورة، وخطط للتوغل في الأراضي الإسرائيلية (الفلسطينية)، ولن يتوانى عن استخدامها في الحرب المقبلة”.
وأكّدت المصادر لصحيفة معاريف أنّ “إسرائيل وحزب الله، على حد سواء، غير معنيين بالتسبب بنشوب الحرب والمواجهة العسكرية الواسعة. لكن، من شأن خطأ في الحساب أنْ يقود إليها”، موضحة أنّ إسرائيل تواجه واقعًا أكثر تعقيدًا مما عرفته منذ إقامة الدولة عام 1948، وأنّه في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يدركون، جيدًا، أنّ المعركة المقبلة في الشمال ستكون أكثر قسوة مما عرفناه مرة، وإذا نشبت الحرب مع حزب الله، على الحدود مع لبنان، فلن يقتصر رده هناك، وسيشمل أيضًا ردودًا من الساحة السورية، حيث يسيطر على مواقع استراتيجية مهمة.
ولفتت إلى أنّ نتيجة المواجهة المقبلة مع الحزب، واستخدامه الساحتين (لبنان وسوريّة)، سيعنيان أنّ الجبهة الداخلية في إسرائيل ستتلقى نيراناً هائلة، وأنّ “المراسلين العسكريين المخضرمين في إسرائيل لا يتذكرون هذا الكمّ الهائل من الانهماك لدى المؤسسة الأمنية، والانشغال في الخطط المتعلقة بالدفاع عن الداخل في إسرائيل، الأمر الذي يُسبّب طرح قضية الجبهة الداخلية والدفاع عنها على طاولة تقديرات الوضع والحرب المقبلة، ويسبّب أن تكون الحرب دفاعية، قبل أن تكون هجومية”.
في هذا السياق، كُشف النقاب يوم 13 أغسطس/آب الجاري عن وثيقة تحمل توقيع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، بعنوان “استراتيجية الجيش الإسرائيلي”، ويصفها محللون بأنها “عقيدة آيزنكوت”، وتم نشرها بعد حذف معطيات عسكرية حساسة منها. وتعكس الوثيقة، التي تم تعميمها، قبل شهر بصيغتها السرية على كبار ضباط الجيش الإسرائيلي، حال إسرائيل الأمني اليوم، ويتبين أن الجيش الإسرائيلي لا يرى أية دولة تهدد إسرائيل، وتظهر سورية في هذه الوثيقة، مثلاً، أنها “دولة فاشلة، قيد التفكك”.
واعتبرت الوثيقة أن أعداء إسرائيل الأساسيين، اليوم، هي “المنظمات الإسلامية” التي لا تشكل دولة، في إشارة إلى حركة حماس وحزب الله وتنظيم داعش، بحسب موقع صحيفة هآرتس الإلكتروني. والسيناريو الأساسي الذي يبني الجيش الإسرائيلي نفسه من أجل مواجهته، هو حدوث مواجهة مع منظمات كهذه، على الرغم من أن القدرات الجاري تطويرها تلائم حرباً ضد جيوش نظامية لدول.
وفيما يتعلق بإيران، فإن الوثيقة تذكرها على أنها تقدم الدعم لحزب الله وحماس، وليست كتهديد نووي على إسرائيل، مثلما يزعم بنيامين نتنياهو. على الرغم من ذلك، قالت الوثيقة إنه ضد “دول ليس لها حدود مشتركة مع إسرائيل”. ستستخدم “أنشطة متواصلة ومتعددة المجالات”، وأن هذه العمليات هدفها تحقيق “إنجاز ملموس ومحدود غايته الردع من التصعيد”.
في كل الأحوال، الجديد في الوضع الجيو عسكري والسياسي المستجد في المنطقة هو خروج النظام السوري من المعادلة، ليحتل الإيرانيون ومليشياتهم أمر تحريك، أو عدم تحريك، قواتهم على جبهة الجولان، وامتداداً نحو الجليل الفلسطيني والجنوب اللبناني، وهو مثلث المسرح القادم للمواجهات المحتملة، في ظل ما أكدته إسرائيل من اختراقها الاستخباري الذي حققته، أخيراً، في جبهة الجولان، وما أعلنته من استراتيجية جديدة لجيشها، وما تتوقعه المعلومات من سيناريوهات للحرب المقبلة؛ على الرغم من كل ما يقال عن عدم جاهزية أطراف الصراع لبدء حرب، قد تقع وقد لا تقع. وحتى في ظل “الردع المتبادل”، قد تنزلق الأمور إلى ما يعاند تلك الاستراتيجيات الردعية، والتي لم تعد أكثر من احتمال في كل الأحوال؛ حيث مروحة الخيارات واسعة.. وأوسع مما كانت قبلا مع الجيوش النظامية الكلاسيكية، في ظل معطيات متغيرة، تبدلت كثيرا، وفي أسرع مما كانت تتوقعه مراكز الأبحاث الاستراتيجية التي بدأت تعيد حساباتها في ضوء المتغيرات الاستراتيجية الحاصلة اليوم؛ ليس في المنطقة، بل وعلى الصعيدين، الإقليمي والدولي.
العربي الجديد
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.