الجريمة الأولى

عمر سيف الدين

مضى على جريمتي التي ارتكبتها منذ أن عرفت نفسي أكثر من ثلاثين عام، الآن كلما ركبت على ظهر سفينة ورأيت نورساً، أفقد بهجتي فجأةً، أشعر برغبة للبكاء كطفل، ألم عميق ينمو وينمو في قلبي، يؤلم صدري، وكأني أسمع توبيخ أمي: “عديم الرحمة..” الذي لا ينتهي ….

الترجمة عن التركية: نور عبدالله
الكاتب عمر سيف الدين

 

المترجمة نور عبدالله

أنا رجل يعيش الألم طوال الوقت، هذه المحنة بدأت منذ أن عرفت نفسي، على الأغلب لم أكن قد بلغت الرابعة من العمر. لا أزال أعاني من نيران جهنم الأبدية التي تشتعل في ضميري ليس من الشرور التي ارتكبتها فقط بل حتى من التي فكرت أن أرتكبها، لم أنس ولو واحدة من الأشياء التي أحزنتني على الإطلاق، كما لو أن ذكرياتي وجدت للحزن فقط.

نعم.. ترى هل كنت قد بلغت الرابعة؟ لا أذكر أي شيء قبلها.

الوعي يسقط كصاعقة على رؤوسنا ولا يحرقها، تولستوي يتذكر كيف أدخل إلى الحمام وهو في الشهر التاسع من عمره، شعوره الأول كان استمتاعاً، أما أنا فقد كان شعوراً هائلاً بالحزن.

أنا أذكر نفسي في باخرة الشركة، لا زال كل شيء أمام عينيّ، وكأني خرجت إلى الدنيا في ذلك الوقت.

حضن أمي…. أمي تتكلم ضاحكة إلى المرأة الشقراء الشعر بجانيها، تدخنان السجائر، أمي تضع سيجارتها داخل ملقط رقيق من الفضة

ـ أريد هذا، أقول

ـ خذه ولكن لا تضعه في فمك، تقول أمي

تعطيني الملقط الفضي، ترمي سيجارتها في البحر، كنّا في فصل الصيف على الأغلب، جو مشرق جداً ومشمس جداً.

أمي تحرك ببطء مروحة من الريش الأزرق بيدها وهي تتكلم، تمسك بذراعي وتجلسني بجانبها، أدخل إصبعي بفتحة ملقط السجائر الفضي أضعه بفمي وأعضه دون أن تنتبه أمي، المرأة التي تتحدث إليها أمي تلبس رداء أزرق، أنا مغمور باللباس الأبيض، حاسر الرأس، شعري كثيف مبعثر، أرفع رأسي بينما تحاول أمي تمشيطه بيدها، يتحرك ظل بحجم الكف بين أشعة الشمس الساطعة.

ـ انظري، انظري! أقول، أمي ترفع رأسها

ـ قد حطّ طائر، تقول، عندما أطلبه من أمي

-لا يمكن أن يُمسَك، تقول

عندما أطلبه مجدداً تضرب أمي بشمسيتها تحت هذا الظل، لكنه لا يتحرك. تقول للمرأة الشقراء:

ـ أوه لم يهرب

ـ لماذا يا ترى؟

ـ لا بد أنه صغير جداً

ـ أمي أنا أريد هذا الطائر، أُصِرّ

عندها تضع أمي مروحتها وتقف، تمسكني من تحت إبطيّ وتحملني للخارج ككرة صغيرة وتقول:

ـ أمسكه بسرعة

يقترب رأسي من مظلة الكتان، ضوء الشمس يبهر عينيّ، أمدّ يدي أمسكه، إنه طائر أبيض… تأخذه أمي من يدي تقبله… والمرأة ذات الشعر الأشقر تقبله، وأنا أيضاً أقبله..

ـ أوه.. مسكين إنه صغير

ـ لابد أنه صغير النورس

ـ لا يستطيع الطيران

ـ سوف يغرق إذا وقع في البحر

تتدخل النساء الأخريات أيضاً في الحديث، “لا يمكن أن يعيش” تقول أمي مداعبة الطائر “أوه مسكين …… مسكين” بعدها تضعه في حضني

ـ لنأخذه للبيت.. ربما يعيش.. لكن انتبه، أمسكه برفق لا تضغطه

ـ لن أضغطه

ـ أمسكه هكذا إذن.

تضع سيجارة رفيعة أخرى في الملقط الفضي وتستغرق في الحديث مع المرأة التي بجانبها. ريش الطائر أبيض لدرجة أني حين ألمسه تظهر عظامه، رجلاه حمراوتان، مندهش لا يحاول الهرب، عيناه مدورتان، على طرف منقاره الأحمر أثر أصفر وكأنه أكل شيئاً أصفر وبقي أثره على حافة المنقار. يمد عنقه محاولاً النظر إلى محيطه، حينها أرفع نظري إلى أمي، بينما تتكلم هي ضاحكة مع المرأة بجانبها، غير منتبهة إليّ، أمسك بيدي عنقه الممدود وأضغطه بكل ما أوتيت من قوة، يحاول فتح أجنحته، أمسكها بيدي الأخرى، تنغرس رجلاه المرجانيتان في ركبتي، أضغط، أضغط، أضغط بكل قوتي وكأن أسناني سوف تنكسر من شدة ما ضغطتها، لا يستطيع إخراج أي صوت.. يرتجف منقاره ذو الحافة الصفراء، يخرج لسانه الوردي المدبب من منقاره، عيناه المدورتان تكبران أولاً ثم تصغران، ثم تنطفآن، أفتح يدي المشدودتين فجأةً، جثة الطائر الأبيض تقع أرضاً.

تستدير أمي، تنحني، تأخذ الطائر الميت الذي لا يزال ساخناً من الأرض تقول:

ـ “أوه … إنه ميت…” وتنظر إليّ بحدة

ـ ماذا فعلت؟

ـ ……..

ـ هل ضغطته؟

ـ ……..

ـ تكلم

ـ ……..

لا أجيب، أبدأ بالبكاء، تأخذ المرأة ذات الشعر الأشقر الطائر من أمي

ـ يا له من ذنب كبير

ـ ……..

ـ يا للمسكين

تتدخل نساء أخريات أيضاً بالحديث.. امرأة مسنّة سمينة تجلس قبالتنا أعلنت جريمتي على الملأ:

ـ خنقه… واللهِ رأيته … يا له من طفل خائن..

وجه أمي أصفر، بصوت مرتجف:

“عديم الرحمة..” وتنظر إلي بألم مجدداً.. أبكي بحدّة أكثر، بحدة أكثر لدرجة أنهم لم يستطيعوا إسكاتي، لا أذكر الآن متى وكيف وأين توقفت عن البكاء، وكأني بكيت إلى اللا نهاية.

مضى على جريمتي التي ارتكبتها منذ أن عرفت نفسي أكثر من ثلاثين عام، الآن كلما ركبت على ظهر سفينة ورأيت نورساً، أفقد بهجتي فجأةً، أشعر برغبة للبكاء كطفل، ألم عميق ينمو وينمو في قلبي، يؤلم صدري، وكأني أسمع توبيخ أمي: “عديم الرحمة..” الذي لا ينتهي ….

 

نور عبدالله، صحفية ومترجمة سورية مقيمة في إسطنبول

المزيد للمترجمة

الدُّرْج

فرار

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.