الجدوى الاستراتيجية لدمشق بين التكامل الاقتصادي مع العراق أو التحالف مع إيران

لماذا مالت سياسات النظام السوري إلى الضفة الإيرانية على حساب إهمال التكامل مع دولة عريقة وعظيمة بشعبها مثل العراق ويجمعها معها أقل ما يُقال المصير المشترك؟

44
الأيام السورية؛ صفوان داؤد

إن عقد المقارنات الفضفاضة هي غير ذات جدوى، لكن عقد القيم الرياضية والاحصاءات تعطي صورة أكثر موضوعية عن الواقع.

من هذا المنظور من المفيد اعطاء تقييم عام عن القيمة الاستراتيجية لسوريا في علاقتها مع كل من العراق وإيران، ولماذا مالت سياسات النظام السوري إلى الضفة الإيرانية على حساب إهمال التكامل مع دولة عريقة وعظيمة بشعبها مثل العراق ويجمعها معها أقل ما يُقال المصير المشترك.

على مر التاريخ جمعت سوريا والعراق وإيران علاقات مُعقدة ومتشابكة شهدت العديد من الانقلابات الاستراتيجية، لكن بعد غزو العراق، جنحت العلاقة بين إيران مع كل من العراق وسوريا نحو السلم، بغض النظر عن أخلاقية أو شرعية هذه العلاقة من منظور السيادة الوطنية.

في عام 2003 قصفت القوات الأميركية بشكل مُمنهج كامل الذرى الاقتصادية في العراق من ضمنها أنبوب النفط المتجه من حقول كركوك إلى مدينة بانياس السورية، وبعد عودة الاعتراف بالنظام السوري من قبل الاتحاد الاوربي واضمحلال الاتهامات الموجهة إلى دمشق على خلفية قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري. وقّعت دمشق وبغداد اتفاقاً لإعادة تأهيل أنبوب كركوك-بانياس، الآن وبعد حوالي 14 عام، لم يحصل أي تقدم في هذا المجال.

في المقابل وقّعت بغداد صيانة أنبوب نفط كركوك الممتد باتجاه ميناء جيهان التركي، واتفاق مبدأي آخر لِمدّ أنبوب ثاني عبر تركيا، كما وقّعت اتفاقاً مشابهاً مع الأردن ينص على مد بغداد على نفقة الدولة العراقية من المنبع إلى المصب، أنبوب نفط من البصرة إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر.

على مر التاريخ جمعت سوريا والعراق وإيران علاقات مُعقدة ومتشابكة شهدت العديد من الانقلابات الاستراتيجية، لكن بعد غزو العراق، جنحت العلاقة بين إيران مع كل من العراق وسوريا نحو السلم، بغض النظر عن أخلاقية أو شرعية هذه العلاقة من منظور السيادة الوطنية.

في المقابل وقّعت طهران مع دمشق عام 2014 اتفاقاً لمد انبوب نفط من الاراضي الإيرانية إلى ميناء بانياس السوري، غير أن سيطرة «تنظيم الدولة الاسلامية» على البادية السورية أوقف هذا المشروع حتى عام 2019 عندما تم إحياؤه (نظرياً) مرة أخرى.

لكن خلف حزمة الانابيب الممتدة عبر سوريا تختبئ سياسات واستراتيجيات مختلفة كل الاختلاف، فإيران ترى من التشبيك النفطي مع سوريا التفافاً على العقوبات الأميركية ووسيلة لتكريس نفوذها الاقتصادي بعد نفوذها العسكري على النخبة الحاكمة في سوريا، في حين أن ليس للعراق أي أطماع في سوريا ولا تسعى إطلاقاً الهيمنة على القرار السياسي فيها، بل كل ما هنالك أنه كان هناك تطور طبيعي للتبادل التجاري والتعاون الاقتصادي بين البلدين العربيين الجارين.

في العام 2010، كانت العراق الوجهة الثانية للصادرات السورية بعد الأردن، بإجمالي يقارب 2.3 مليار دولار سنوياً من إجمالي الصادرات البالغة 12.3 مليار، بالمقابل، كانت الصادرات الإيرانية للعراق تعادل 6 مليار دولار. بعد تسع سنوات في العام 2019 وقبيل الأزمة السياسية المستعصية في العراق، تضاعفت الصادرات الإيرانية للعراق وبلغت نحو 13 مليار دولار أو نحو 25% من السوق العراقي، في حين انخفضت الصادرات السورية بشكل حاد إلى أقل من 100 مليون دولار، مع ملاحظة أن معظم الصادرات الإيرانية هي من نفس الأصناف التي كانت العراق تستوردها من سوريا.

وبسبب تأثير إيران السياسي على كل من العراق وسوريا فإنه منذ اندلاع الحرب السورية عام 2011 لم يحصل أي تحرك لتطوير العلاقات الاقتصادية بينهما، ولن يحصل أي تطوير في المدى المنظور في ظل التحالف غير المتوازن بين النظامين السوري والإيراني.

هذا ينطبق على العراق، لكن في العراق على الأقل هناك إرادة شعبية تستحق الاحترام تعارض بشكل متزايد النفوذ الإيراني، لكنه لم يصل إلى مرحلة إحداثه تحولات في القرار العراقي لإيقاف أو مراجعة الاتفاقات غير المتوازنة مع طهران، منها على سبيل المثال شراء الغاز الإيراني الذي يشتريه العراق بسعر أعلى من السعر العالمي، أو جدوى نقل مصفاة بيجي النفطية من شمال العراق إلى إيران، أو ما هو المغزى من احتلال الميليشيات الموالية لإيران مدينة البوكمال الحدودية مع العراق بقبول النظام الحاكم في دمشق، ومن المعروف أن معبر القائم-البوكمال أهم منفذ لسوريا مع العراق على الإطلاق.

الرئيسين العراقي والإيراني( الحرة)

هناك سببان يتضمنان كامل الصورة الاقتصادية لسوريا بين إيران والعراق. السبب الأول هو أن أي انتعاش للصادرات السورية نحو العراق ستكون على حساب الصادرات الإيرانية، مع ملاحظة أن العراق كما سوريا نافذتان هامتان للحصول على العملة الصعبة التي تحتاج إليها طهران في ظل اشتداد العقوبات الاميركية المفروضة عليها.

السبب الثاني حصول إيران هذا العام على حقوق التنقيب عن النفط في منطقة البوكمال، ولم يذكر إعلام النظام أو أي مصدر من وزارة النفط السورية أي تفاصيل حول شروط العقد بين الطرفين، غير أنه يمكن استشراف نتائج هذا العقد إذا علمنا أن نمط العقود في سوريا هو عادة وفق مبدأ الشراكة بين شركات محلية وشركات أجنبية، ولم يُعرف أن حقوق التنقيب ممنوحة بالكامل لشركة أجنبية في سوريا كما حصل في العقود الجديدة مع طهران!. لكن تشير بعض المواقع المختصة أن احتياطي حوض البوكمال من النفط يقدر بنحو 6 إلى 6.5 مليار برميل، فإذا ما استخرجت إيران الحد الادنى بمعدل 30%، بسعر أدنى 30 دولار فإن ايراداتها ستتجاوز 55 مليار دولار.

نجد اليوم بعد أكثر من ربع قرن على نهاية الحرب بين العراق وإيران مثال واضح على كيفية استثمار إيران للتشتت العربي، وحتمية إعادة النظر في عودة كل من العراق وسوريا إلى الحضن العربي.

إيران لاعب أساسي في الشرق الأوسط، بينما جارتيها العراق وسوريا قد نهشتهما الجماعات الإسلامية المسلحة والانظمة السياسية المهترئة والفاسدة.

إيران لاعب أساسي في الشرق الأوسط، بينما جارتيها العراق وسوريا قد نهشتهما الجماعات الإسلامية المسلحة والانظمة السياسية المهترئة والفاسدة.

لقد عبّرَ عن هذا الفرق بكثير من الحكمة الفيلسوف الإيرانيّ داريوش شايغان بقوله: “لقد حققنا، نحن الإيرانيون، كلّ رؤانا العتيقة، وقد أهّلَنا هذا التطهير أو التنفيس الجماعيّ غير المسبوق أن نفهم اليوم عدم جدوى الأحلام غير القابلة للتحقيق، وأن نعي كذلك أن كل دعوة للرجوع إلى الخلف هي ضد مستقبلنا، بل هي فخ منصوب للمغفلين. بشكل من الأشكال، نحن في مرحلة متقدمة عن بقية البلدان الإسلامية، إذ ما زال أهل تلك البلدان يحلمون بالانزلاق. لنقل إننا بدأنا نلمح شعاع الشمس الذي يخرجنا من النفق المظلم بينما هم يحاولون الدخول اليه”.

الواقع يقول إنه لا يمكن تغيير الجغرافيا لكن يمكن تغيير السياسات، للعراق كتلة سكانية كبيرة و600 كم من الحدود المشتركة مع سوريا، وفاتورة واردات العراق الإجمالية تبلغ نحو 33 مليار دولار. ولدمشق فرصة كبيرة للاستحواذ على جزء هام من سوق هذه الواردات إذا أعاد رأس النظام بشكل موضوعي دراسة جدوى العلاقة الاستراتيجية مع إيران.

نعتقد أن عودة العراق إلى الحضن العربي كذلك سوريا ليست يوتوبيا ولا تحمل أي انتقاص مفاهيمي، كلا البلدان لهما المصلحة الكبرى في التعاون والتكامل الاقتصادي بينهما، على الانخراط بتحالفات مع طرف ثالث لا يمكن بأي شكل من الأشكال إخفاء ميوله التوسعية وسعيه الهيمنة على القرار السياسي والاقتصادي على المنطقة ككل، وليس فقط على العراق وسوريا.


صفوان داؤد كاتب مختص بالشأن السوري.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.