الجحيم كرادع جمعي.. السقوط الفني وضعف المخيّلة أمام سيادة الأيديولوجيا

هل ما زال العالم قائماً على كل فعل يجعل المرء ذاهباً صوب أبدية العذاب؟ وهل نحن بحاجة لرادع فني ومخيّلة تتفوق على الأيديولوجيا الجاهزة للأديان، ومستقلة لكل فرد؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

هل قرأت الكوميديا الإلهية لـ دانتي أليغيري يوماً! ربما نعم وربما لا، لكن بطريقة ما قد سمعت عنها، وعرفت أنها حكاية دانتي نفسه، وقد تخيّل نفسه يجول في الطبقات السماوية الثلاث بحسب الديانة المسيحية، وينقل مشاهداته إلى القرّاء.

تمثّل هذه التحفة النصيّة الخالدة، جزءً مهماً من التاريخ البشري ووعيه وتطوراته الخيالية، ومُؤثّراً لاحقاً في الوعي الأدبي على مستوى آلاف من الكُتّاب، وحتى شكل مرعب ودرس أخلاقي لعامة الشعب على مدار ستة قرون لاحقة منذ صدورها، ولو أنها اليوم تحولت إلى كتاب كلاسيكي تقليدي، وحتى يمكن للبعض اعتبار تخيلاتها مقارنة بالتصورات الحيّة اليوم عبارة عن هراء وفراغ غير مرعب.

دانتي، عندما كتب نصّه، كان يريد في الدرجة الأولى تقديم توضيح كافٍ للناس عن عمق فكرة الخلود بالعام وأبدية الأشرار في الجحيم والأخيار في الفردوس، وقد استقاها أصلاً من المُعطى الكنسي الجامد في فكرة الثواب الثابت والعقاب الثابت، ولو أنه حوّر في تصوراته الخيالية الكثير من الأنماط وأعطاها شكلاً مختلفاً بالعودة إلى أساطير مرتبطة لدى الإغريق والرومان، كالأنهر والكائنات في الجحيم.

اليوم عندما أتأمّل هذا المعطى التخيلي الذي أوجده دانتي بالاستقاء من التصور الأيديولوجي للمسيحية الكنسيّة، أو حتى فكرة الجحيم والعقاب في جميع الديانات، وبالأخص السماوية، أدرك ضعف المخيّلة الفنية في تشكيل صورة التعذيب الذي أوجده الإله للأشخاص الذين لا يُطيعون أمره، وترويج لاحق من قِبل الكهنة في كل الديانات، أنّ هذه الأنماط التعذيبية هي أقسى ما يمكن تخيّله.

دانتي، عندما كتب نصّه، كان يريد في الدرجة الأولى تقديم توضيح كافٍ للناس عن عمق فكرة الخلود بالعام وأبدية الأشرار في الجحيم والأخيار في الفردوس، وقد استقاها أصلاً من المُعطى الكنسي الجامد في فكرة الثواب الثابت والعقاب الثابت.

لكن هل فعلياً هذا الوعد الجمعي بالعذاب هو أكثر شيء يمكن لكائن خشيته والخوف منه ويكون رادعاً لبناء مجتمعات أكثر أخلاقية والتزاماً؟.

الجواب قطعاً لا، والدليل هو كمية قيام الأكثر انضواء تحت راية الله بكافة المعصيات المتاحة في الحياة؛ الجحيم الجمعي كرادع لا يمكن أن يحقق معادلة خضوع البشر لفكرة الالتزام، لأنه ضعيف كمخيلة وليس فنياً كذات فردية ومتفردة به.

هناك فكرة لدى البشر في اللاوعي بأنّ الجحيم ليس لك وحدك، إنك لا شيء مع كل الآخرين الذين يمثلون اللاشيء، وبالتالي شعورك لعدم تفردك بالعذاب سيخلق تلقائياً شعور بالمعصية وعدم الاكتراث بكل قوانين الالتزام الأخلاقي للدين؛ بمعنى الجحيم أوُجِد كرادع لكنه لا يعمل إلا من خلال تصورات المقارنة البشرية مع الآخرين أنّ هناك من يشابهك حتى في المعصية والعذاب.

لو أنّ أحد الأنبياء قال يوماً لأحد الأشخاص في شرحه للجحيم كصورة فنيّة خاصة بذلك الشخص وليست سياقاً جمعياً متشابهاً بين الجميع.. بأنه إذا لم يلتزم ذلك الشخص أخلاقياً فلن يكون عذابه الجحيم كالصورة التي افترضتها الديانات وروجّها الأنبياء والفقهاء والكهنة لاحقاً، إنما سيكون شيئاً آخر، مثلاً أن يكون في مكان شبه مظلم وحيداً والصمت يحيط به بمعنى الصمت، ويوجد نقطة ضوء بعيدة عنه ولا يمكن الوصول إليها ولا يمكن اختفائها، وجسده يقف في الفراغ مشلولاً دون قدرة على الحركة، ولا يستطيع سماع أي شيء سوى صوت شبيه بقطرات ماء وهي تهبط على صخرة بتراتب ونمط زمني موحّد كتكّات الساعة، وتستمر هذه العملية إلى الأبد.

هل يمكن لك عزيزي القارئ أن تتخيل أن تعيش جحيماً بذلك المعنى التهميشي والفارغ دون أي تغيير، إنه جحيم لا يحمل صورة تكرار الاحتراق حرارة أو برداً، أو الألم بالذوبان أو التجمّد، وتمزيق الأجساد بالصورة الوحشية، إنما جحيم يحافظ على وجودك، وجسدك من أي إصابة، ووعيك المستمر بلا أي شيء، مشلول ولا تسمع إلا تكرار صوت لا منتهي؛ جحيم ستتمنى من خلاله أن تعيش الصورة النمطيّة لجحيم الإله بالاحتراق، على الأقل سيكون هناك شيء من الدراما التكرارية والمقارنة مع الآخرين الذين يعيشون العذاب معك، يتمثّل المقارنة حتى قبل حصولها.

التفرّد ذاك بالعذاب، وإعطاءه البُعد الفني وصورته التخيلية المدمرة للذات دون موت أو إعادة إحياء تكراري كما يجري في الصورة الجحيمية الجاهزة داخل النص الديني، يمكن أن تكون رادعاً أقوى ليلتزم الإنسان أخلاقياً.

لو أنّ نبياً أخبر شخصاً بذلك التفرّد، وأصبح لكل شخص تفردّه الفني في صورة العذاب المستقلة له، لكان العالم أيسر وأفضل، دون أن يكون هناك مكاناً جمعياً متشابهاً ولو اختلف نوعاً ما بشكل طفيف بين كل عذاب وآخر، لكنه في النتيجة صورة موحّدة لخلق الردع الجمعي، فلا يمكن أن يخترع الإله لكل بشري صورة عذاب مستقلة ويخبره بها بشكل مستقل، وعلى أساساها يفكّر المرء بأن يعصي أم يلتزم.

التفرّد ذاك بالعذاب، وإعطاءه البُعد الفني وصورته التخيلية المدمرة للذات دون موت أو إعادة إحياء تكراري كما يجري في الصورة الجحيمية الجاهزة داخل النص الديني، يمكن أن تكون رادعاً أقوى ليلتزم الإنسان أخلاقياً.

هناك مليارات المليارات من البشر التي وُجِدت على هذه الأرض، فليس من المنطقي أن يقوم الإله بتصويب فكرة العذاب لكل فرد بشكل مستقل ويخلق له صورة لا تتشابه مع عذاب آخر رغم أنّه إله وقادر على فعل ذلك، فلا أدري السبب الذي لم يخلق عذاباً لكل فرد كما خلق بصمة مستقلة لكل فرد!

لكن لو فعل ذلك وأخبر كل شخص بعذاباته الفنية المستقلة، فلن يكون هناك معصية أبداً، لأنّ الإنسان حينها سينظر إلى نفسه كقيمة مستقلة ولا تتشابه في الثواب ولا في العقاب وبالتالي سيكون العالم رائعاً في تصويبه للعدالة والمساواة والتعبّد الإلهي والأبدية الخيّرة.

الجحيم كردع جمعي للأسف لم يقم بدور الرادع الحقيقي، فما زال العالم قائماً على كل فعل يجعل المرء ذاهباً صوب أبدية العذاب، كم كنا بحاجة لرادع فني ومخيّلة تتفوق على الأيديولوجيا الجاهزة للأديان، ومستقلة لكل فرد، على الأقل يكون المرء حينها قادراً على إدراك التخيّل والمصير الذي ينتظره بمفرده، دون مقارنة مع الآخرين.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.