“الثورة” في عيون الإسلاميين السوريين.. كأنك يا أبو زيد ما غزيت!

ثمة اعتقاد سخيف وخطير في آن معاً لدى الكثير من الناس، بأن الديمقراطية تعني حكم الأكثرية الطائفية أو القومية لباقي المكونات في الدولة، وهذا سبب مناداتهم بالديمقراطية بطبيعة الحال.

الأيام السورية؛ نجم الدين النجم

منصة (INT) وهي منصة إخبارية اجتماعية على موقع فيسبوك، يديرها عدد من الشبّان السوريين المستنيرين، نشرت أول أمس استطلاع رأي مثير للجدل حول مدى استعداد الفرد لقبول فرد آخر مختلف في المجتمع السوري.

وجاء السؤال الذي نشرته المنصة -والتي تضم بالمناسبة أكثر من 32700 شخص- كالتالي: هل تقبل بوجود ملحدين (لا يؤمنون بوجود خالق) أو لا دينيين (لا يؤمنون بالأديان) في مجتمعك؟

المصوتون بالقبول بلغ عددهم 1152 شخصاً، في حين بلغ عدد المصوتين بالرفض 1036 شخصاً حتى لحظة كتابة هذا المقال، وهذا العدد الأخير مرعب ومحبط صراحةً، وينذر بكوارث مستقبلية عظيمة في سوريا، خصوصاً إن وضعنا في عين الاعتبار أن القائمين على المنصة منهكون من ملاحقة المتطرفين في مجموعة المنصة، ويضطرون لحظر العشرات منهم كل شهر.

لدينا هنا أكثر من ألف شخص يريدون العيش في مجتمع “متجانس” من لون واحد، لا اختلاف فيه ولا خلاف عليه، وهم يريدون “مدينة فاضلة” خارج الزمان لكنها في قلب المكان ولم تراوح مكانها منذ عقود وقرون.

يدافعون عن مطلبهم بكل جرأة وإرادة، ومن البديهي إن قلنا إن مئات أضعافهم هم موجودون اليوم داخل سوريا، والكثير ممن يشاركونهم الرأي خارج سوريا ويعيشون في دول اللجوء، والسؤال الذي يفرض نفسه: ما المستقبل في سوريا إن كانت شريحة ليست بسيطة من السوريين ترى الوطن وترسمه بهذا الشكل؟ ومن المسؤول عن ذلك؟

الثورة كما عرفناها هي نقيض أخلاقي ومبدأي للنظام الديكتاتوري المجرم، وليست خصماً دينياً أو طائفياً له، كما أن الثورة تسعى لاسترداد وطن لا لإحلال سلطة مستبدة إقصائية جديدة مكان شبيهتها القديمة.

الثورة كما عرفناها هي نقيض أخلاقي ومبدأي للنظام الديكتاتوري المجرم، وليست خصماً دينياً أو طائفياً له، كما أن الثورة تسعى لاسترداد وطن لا لإحلال سلطة مستبدة إقصائية جديدة مكان شبيهتها القديمة.

الأهداف الأساسية للثورة في سوريا كانت: الحرية والديمقراطية والدولة المدنية، أليس كذلك؟ أم أننا نعيش في وهم؟ أم أن لهذه المفاهيم (الأهداف) معانٍ أُخرى لا نعرفها؟

ثمة اعتقاد سخيف وخطير في آن معاً لدى الكثير من الناس، بأن الديمقراطية تعني حكم الأكثرية الطائفية أو القومية لباقي المكونات في الدولة، وهذا سبب مناداتهم بالديمقراطية بطبيعة الحال، والحقيقة -التي ما زلنا نفشل بإيصالها لهؤلاء الناس- أن هذا الفهم هو أبعد ما يكون عن المفهوم (الديمقراطية).

انطلاقاً من هذا الفهم الفئوي الضيق تبقى الأكثرية عمودية الاتجاه، أبدية ثابتة وجوهرية غير قابلة للتغيير، وذلك بحسب العدد السكاني المشكل للطائفة الحاكمة (السنة، الشيعة، الكرد، المسيحيون.. إلخ)، وأيضاً بحسب التيار السائد (سلفي، قومي، إخونجي، ليبرالي، يساري.. إلخ)، وهذا الفهم وإن كانت عناصره موجودة في الواقع، إلا إنه لا ينتمي للمفهوم الأساسي وغايته، حيث إن الأكثرية في الأنظمة الديمقراطية الحقيقية، هي أغلبية أفقية مرنة ومتغيرة، تنجح وتفشل، هي أغلبية اليوم وأقلية غداً، تصعد وتهبط بحسب نشاطها، تخضع لمزاج المقترعين وليس لعددهم، وتتأثر بالظروف ذاتيةً كانت أو موضوعية.. الديمقراطية باختصار لا تعني حكم “القبيلة” القومية أو الدينية أو الطائفية.

لوحات طرقية في سوريا(الجديد)

سياسياً، فالديمقراطية في تعريفها النظري المبسط هي “حكومة العدد الأكبر”، بينما في تطبيقها العربي الهزيل والناقص -كما في العراق ولبنان وربما في سوريا المستقبلية- تتحول الديمقراطية إلى حكومة عددية بشكل عمودي جامد وثابت لا يتغير، لأن ساحة الصراع السياسي بين هذه الأكثرية وباقي الأقليات ليس البرلمان ومجلس الشعب، بل البلد ذاته والمجتمع نفسه، فينتصر المواطن البسيط المحتقن والمتخم بالكبرياء القومي أو الديني في الانتخابات للمرشح الذي ينتمي إلى عشيرته الفكرية أو الدينية أو القومية وإن كان فاسداً.

قبول الآخر المختلف، والتعايش مع مختلف الأفكار والمعتقدات، هي جزء أصيل من هذه المفاهيم، فلا توجد ديمقراطية سياسية بمعزل عن ديمقراطية التعبير وحرية الاعتقاد والميول الفكرية والجنسية والسلوكية.

وهكذا تتحول الديمقراطية في مجتمع متواضع الثقافة الديمقراطية إلى أداة تكريس للسلطة الفاسدة والمستبدة وما ينتج عنها من أمراض وكوارث، بيد أن لهذه الديمقراطية الهزيلة فائدة كبيرة تتلخص في كونها مدرسة تعلّم الأفراد مدى كارثية اختياراتهم مرة بعد مرة.

ولكن مفاهيم الديمقراطية والمدنية والحرية هي ثقافة وعقلية قبل كل شيء، ولا يكفي أن نطالب بها لنحصل عليها، بل يجب أن نقتنع بها ونفهمها ونهضمها بداية الأمر، وعقب ذلك نبدأ ممارستها والتدرب عليها، فالرؤية الدينية للوطن ومستقبله لا تحتكرها التنظيمات الإسلامية المسلحة، بل هي موجودة ومتجذرة في المجتمع، ومسؤولية الإقناع والفهم والهضم والتدريب الديمقراطي الجزء الأكبر منها يقع على عاتق الإعلام ومن ثم المؤسسات التعليمية، أما المؤسسات الدينية فهي أيضاً تعمل خارج الزمان، والحديث عنها يطول كثيراً.

قبول الآخر المختلف، والتعايش مع مختلف الأفكار والمعتقدات، هي جزء أصيل من هذه المفاهيم، فلا توجد ديمقراطية سياسية بمعزل عن ديمقراطية التعبير وحرية الاعتقاد والميول الفكرية والجنسية والسلوكية، هذا ما يجب أن نشرحه في كل مناسبة ونكرره في كل وقت وحين، وإن لم تصبح الثقافة الديمقراطية هي السائدة في المجتمع السوري، فكأنك يا أبو زيد ما غزيت!

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.