الثورة السورية لحظة انفجار وتحدٍ ورفض للسائد.. تركت فيّ أثر لا يمحى

مررت بلحظات فرح، وخيبات كبيرة، تغيرْتُ بشكل كبير، كنت أحن لنفسي وأشتاقها، لكن الواقع يتطلب التغيير، والأنا القديمة لا يمكنها العيش مع الظروف الجديدة. الماضي لا يعود والحياة تتطلب منا التلاؤم مع متغيراتها والتكيف مع السبل المتاحة.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

كانت صغيرة عند بداية الثورة، لم يكن ما يحدث مفهوماً بالنسبة لها. استغرَبْت لماذا الناس في الشارع، كيف تجمعوا ولماذا؟ حصلت على إجابة من الأهل، فهمت لكن لم تستوعب؛ ما المقصود بالظلم، القمع، التغول الأمني، الخوف، الفساد، انعدام الحريات، قانون الطوارئ وغيرها من المصطلحات التي تلخص الواقع السوري.

وعندما شاهدتْ مستوى العنف والتنكيل الذي يتعرض له المتظاهرون/ات، بدأت تستوعب الأحداث وأسبابها، وأدركت أن الثورة كانت ضرورة ونتيجة حتمية لواقع مر يعيشه السوريون/ات منذ سنين طويلة.

نقلة كبيرة في حياتي

تقول نايا “تلك المرحلة شكلت نقلة كبيرة في حياتي، لم تكن لطيفة أبداً بحكم القسوة والعنف الذي شهدْته، لم أتخيل وقتها وجود ذاك القدر من التوحش في التعامل بين البشر، لم استوعب تلك الممارسات التي لا تنتمي إلى الإنسانية بمواجهة عُزَّل، شباب وبنات يحملون كتبهم أو الورد أو ورق مقوى كتبت عليه عبارات مثل “سوريا بدها حرية”. عرفت وقتها معنى القمع والظلم والتوحش وفهمت أيضاً أن الظالم يخاف من حرية المظلوم، وفهمت الارتباط بين الحياة الكريمة والحرية”.

تتابع “خرجت من الدائرة الضيقة التي تقتصر على العائلة والمدرسة والمناهج الدراسية وقصص المكتبة الخضراء والأخوين غريم وأغاتا كريستي، إلى الفضاء العام، لم أكن مهيأة لذلك بعد، لكنها الثورة لحظة انفجار وتحدٍ ورفض السائد. لقد تركت أثراً لا يمحى من الذاكرة.

تداعيات صادمة

كانت تداعياتها صادمة وثقيلة على صدري، تغير منحى تفكيري واهتماماتي، أحسست بأشياء كثيرة أكبر مما كنت أفكر به وقتها. كان يرافقني إحساس، أننا الآن على قيد الحياة، وربما بعد قليل ننتقل إلى العالم الآخر، وهو إحساس كل من عاصر تلك المرحلة وما بعدها.

كنت أقدم امتحان الثانوية العامة، ولا أعرف إن كنت سأصل في اليوم التالي إلى قاعة الامتحان. مع كل مادة كان يتناقص عدد البنات إما لأن الطريق للمدرسة مقطوع، أو لأن منطقة سكنهم قصفت أو فقدت البنت أحد أفراد عائلتها قتلاً أو اعتقالاً أو اختطافاً، أو أنها قُتِلتْ. كل شي كان يبدو بلا أهمية ولا قيمة.

مغادرة البلد

غادرنا سوريا، كان أمراً لا بد منه، وبنفس الوقت صعب جداً وقاسٍ بالنسبة لي، لكن ما عرفته بعد مغادرة سوريا كان لا يقل قساوة، لجهة أننا في سوريا نعرف غريمنا.

خارج سوريا لمست تصرفات وممارسات بشعة بين بعض السوريين وتجاه بعضهم، من استغلال الحاجة إلى الرغبة في الإيذاء وتحطيم الآخر. تعلمت أن الحياة مختلفة جداً عن التي عرفتها ضمن محيطي الصغير، فيها الكثير من البشاعة، بينما النقاء والنزاهة محدودة الوجود، مقابل الاستغلال والجشع والأنانية المدمرة للآخر. تعرفت على العديد من الأشخاص الجميلين، كانوا يحملون نفس المشاعر من الخيبة والمرارة.

مساعدة الآخرين

كوني صغيرة السن، تمكنت من تعلم اللغة التركية بشكل سريع، ورغم حداثة عهدي في تركيا، صرت مسؤولة عن الكثير من الناس. وخلال شهرين تحولت من طفلة لامرأة ناضجة تحمل مسؤوليات كبيرة.

فبعد كل عملية عسكرية وبعد كل قصف على الأحياء السكنية، يصل أعداد كبيرة من النازحين الناجين إلى المدن الحدودية التركية ومنها غازي عنتاب حيث سكنت. الكثير منهم وصل لاحول لهم ولا قوة، بوضع مزرٍ ويحتاجون إلى دعم ومساعدة في الإقامة وإيجاد سكن مناسب، وما يلزم من تجهيزات ضرورية، أيضاً مرافقة المصابين إلى المستشفيات، وزيارة مصابين وجرحى آخرين للمساعدة على رفع معنوياتهم وطمأنتهم على ذويهم وعائلاتهم، والبحث في المستشفيات عن مصابين فقد أثرهم.

التكيف مع السبل المتاحة

بنفس الوقت تعبت على نفسي، درست وتدربت وعملت، واستغل رفاق الدرب حماسي وصغر سني وجهدي ولم يعطوني حقي. تعلمت بأن ليس كل من انتمى للثورة، يمكن الوثوق به.

مررت بلحظات فرح، وخيبات كبيرة، تغيرْتُ بشكل كبير، كنت أحن لنفسي وأشتاقها، لكن الواقع يتطلب التغيير، والأنا القديمة لا يمكنها العيش مع الظروف الجديدة. حالياً متعايشة أكثر مع الواقع، الماضي لا يعود والحياة تتطلب منا التلاؤم مع متغيراتها والتكيف مع السبل المتاحة.

ما بندم على شي، ومكملة المشوار.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.