الثورة السورية كانت ثورة بلد وثورة امرأة

تشيد بفضل الثورة السورية بالتغيير على الصعيد الشخصي، وتعتبرها ثورة بلد وثورة امرأة. فحتى لو تحقق التغيير السياسي، إن لم يواكبه تغيير اجتماعي، يبقى ناقص.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

نوارة، شابة عشرينية، عاشت الأيام الصعبة لبدايات الثورة السورية، تقول؛ “اعتقل أخي في المظاهرة عام 2012 وبعد أيام داست سيارة الأمن ساق أخي الأصغر قبل أن تقتاده إلى الفرع، كان الخوف والقلق يأكلان روحي. وبدلاً من التضامن الأسري والعطف، كان التقريع والشماتة “بالإرهابيين” وتعليقات تسمُّ البدن من زوجي وعائلته. كانوا مؤيدين للنظام وكنت مؤيدة لثورة الكرامة”.

الخلافات والمشاحنات كانت شريكة نوارة وزوجها طيلة سنوات عيشهما المشترك، سممت أيامها وحياتها. اختارت وقتها الاستمرار والصبر والحفاظ على كيان الأسرة، انسجاماً مع السائد ومع المعايير المجتمعية، التي تعتبر المرأة الصالحة وحسنة التربية هي من تتحمل وتصبر وترضى بنصيبها وتحافظ على بيتها وأولادها، وتطلب منها أن تكون متسامحة مع هفوات زوجها ووووو.

مع اندلاع الثورة السورية ازداد الضغط عليها من الزوج وعائلته بسبب موقفها وموقف عائلتها من النظام والمؤيد والمشارك بالحراك الشعبي، وازداد أكثر عند اعتقال شقيقيها، تفاقمت الخلافات بين الزوجين ووصلت إلى طريق مسدود.

كانت أسباب خلافاتهم ترجع لاختلاف البنية الفكرية والنفسية والعاطفية للطرفين، ليظهر بعد الثورة سبب هام لم يكن واضحاً قبلها وهو غياب الجانب الإنساني عند الزوج. لم تستطع وقتها أن تستوعب، كيف لإنسان أن يؤيد نظام يقتل شعبه ويحرق البلد ويقصف ويدمر البيوت فوق ساكنيها، كيف يشمت بطفل مات تحت التعذيب. لم يكن بإمكانها أن تستمر بالعيش مع شخص مجرد من الإنسانية ومسكون بالأنانية إلى تلك الدرجة.

حملت الشابة العشرينية صغيرتها بيد وأمسكت باليد الأخرى يد طفلها ابن الست سنين، وغادرت بيت الزوجية. كانت آخر مرة تغلق فيها باب بيتها. عادت إلى بيت أهلها تنشد السلام الداخلي ورعاية طفليها. طلبت الطلاق، فهددها بأخذ الطفيلين، خافت وتراجعت عن طلبها؛ ولا يزال هاجس إسقاط الحضانة يلاحقها رغم وصولها إلى ألمانيا.

بعد قصف الطيران الحربي المتواصل لمدينتها، غادرتها مع طفليها وعائلتها حاملين معهم ما تبقى من مدخرات بسيطة وفيض من الذكريات.

تقول؛ عندما عبرنا الحدود السورية حضنت طفلاي بفرح، أخيراً غادرنا سوريا وابتعدنا عن الحرب والخوف والقصف والاعتقال. لكن بعد وقت قصير ابتدأ الحنين يحتل قلبي وعقلي.

تتابع بعد برهة صمت، عشر سنين عجاف، حرب وموت ودمار غيرت كيان البلد والمجتمع وغيرتنا كأفراد. ازداد تعلقي وخوفي على عائلتي، سني الغربة التالية شكلت أيضاً نقطة تحول بحياتي، صرت أقوى وتحملت مسؤوليات كبيرة، لم أتوقع أني قادرة على حملها.

صرت أما لمراهق، وأما لصبايا وشباب هم في مثل عمري. وحماة لصهر وكنة، وجدة قبل ما أفرح بأولادي. قمت بهذه الأدوار مع الصعوبات الشخصية المرتبطة بالغربة وتحديات اللغة والاختلاف؛ ونجحت. رغم الإخفاقات العابرة، التي كانت بمثابة دروس وزيادة خبرة في الحياة. منها عدم الثقة بالشخص لمجرد كونه سوري أو عربي أو من مدينتي أو من نفس ديانتي.

لست نادمة على قراري بالاستقلال بحياتي ولا على لجوئي إلى ألمانيا ولا على تأييدي الثورة. أن أكون وحيدة ومسؤولة عن طفلين أفضل بالمطلق من البقاء بظل زوج أو الارتباط بزوج ذكوريته طاغية، ويوظفها لأجل نفسه، سيكون بلا شك عبء إضافي على المرأة.

تضيف بأنها متوازنة مع نفسها، متقبلة أعبائها ومرتاحة بحياتها. تشيد بفضل الثورة السورية بالتغيير على الصعيد الشخصي، وتعتبرها ثورة بلد وثورة امرأة. فحتى لو تحقق التغيير السياسي، إن لم يواكبه تغيير اجتماعي، يبقى ناقص.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.