الثورةُ السورية و مشكلةُ البدائل المجتمعيّة

نظرتْ شرائح ليست بقليلة إلى الثورة، على أنها لا تعدو ملءَ فراغ و إثباتَ وجود و إخراجًا للمكنون في نفوسها تجاه من مارس بحقها الظلم و التهميش في عهد النظام.

د.محمد عادل شوك،


عادل شوك

 

يرى كثيرٌ من المراقبين أنَّ ثَمَّة ثغرةً في جسم الثورة السوريّة، ما تزال تمثِّلُ تحديًا حقيقيًّا للقائمين على أمرها، تتمثَّلُ في إيجاد ( البدائل المجتمعيّة) لنظام الأسد.
فمن غير المقبول أن تتكئ الثورات، على ركائز مشبَّعة بأخلاقيات العهد البائد و سلوكياته، في سعيها للخروج عليه و التخلّص من أدرانه.
قد تُلتمسُ الأعذار لها في الأيام الأولى؛ بسبب طفوليّتها، و بُعدها عن التأطير السياسيّ و الأَدلجة لدى معظم النشطاء الأوائل، الذين واكبوا تلك الفترة؛ و غلبَ عليهم الانتماء المحليّ و التسطيح السياسيّ و غياب التأهيل و انعدام الخبرة.

أما و قد ولجتْ في عامها السادس، فذلك أمرٌ غيرُ مُغتَفَر لها، و لاسيّما أنها قد انتظمتْ في أُطرٍ سياسية و أخرى آيديولوجية، لديها رصيد متراكم من العمل التنظيميّ.

إدراكًا منه لأهميّة ( البديل المجتمعيّ )، نجد الخليفة عمر بن الخطاب يلفت انتباه جنوده المتجهين لفتح بلاد فارس، إلى أهميّة الركون إلى ما يجلب لهم النصر و الظفر: ( إنكم لا تُنصرون على عدوِّكم بقوة العُدة و العتاد، إنما تنصرون عليهم بطاعتكم لربكم ومعصيتهم له، فإن تساويتم في المعصية، كانت لهم الغلبةُ عليكم بقوة العُدة والعتاد ).

و لعلّ ما هو أوضح منه في رسم الفواصل بين أخلاقيات القوة الصاعدة و الأخرى الهابطة، ما جاء في الحديث الشريف (خيارُكم في الجاهلية خيارُكم في الإسلام إذا فَقِهُوا )، الذي لا يرى فيه النبيّ صلى الله عليه و سلم، ضيرًا في أن ينتظم المرءُ في أُطر العهد الجديد، و يصطبغ بألوانه، و يسير في ركابه؛ و إن كان من رواسب العهد الفائت، طالما أنّه استوعب مقتضيات التغيير المنشود، و عرف مغازيَه و أغراضه؛ فليسَتْ رحلةُ التغيير ذات أهميّة إذا لم تكن مؤسسةً على أرضيّة سلوكيّة تنبئ عن تغيُّر جوهريّ.

و هو أمرٌ تساهلتْ في شأنه أطراف عدة في الثورة السورية، التي كانت تسعى لملء الفراغ الذي أحدثه انحسار النظام عن كثير من المساحات الجغرافية، فلم تعِ خطورة نقل البندقيّة من كتفٍ إلى أخرى، دونما إعادة برمجة و تأهيل للمنضوين تحت عباءتها: سلوكيًا و قيميًّا.
لذلك لم تكن الفواصل بين المعسكرين كبيرة على شتّى الصُعُد، ما عدا بعض الأمور الشكلانية التي أدخلتْها على المجتمع السوريّ فصائلُ الجهاديّة العالميّة.

لقد نظرتْ شرائح ليست بقليلة إلى الثورة، على أنها لا تعدو ملءَ فراغ و إثباتَ وجود و إخراجًا للمكنون في نفوسها تجاه من مارس بحقها الظلم و التهميش في عهد النظام؛ فشاعتْ ظاهرةُ التشبيحِ، و الاعتداءِ على الأملاك الخاصة و العامة، و التساهل السلوكيّ، و بوتائر بيانيّة متفاوتة: محليًّا، و وقتيًّا، و جهويًّا.

و أوضحُ ما كان ذلك لدى الفصائل غير المُؤدلَجة ذات البعد المحليّ؛ فالضبطُ التنظيمي و التمثُّل القيميّ لدى الفصائل الجهاديّة أفضلُ لديها، و إن كان الأمر لا يخلو من تفاوت فيما بينها، فهو لدى النصرة و ملحقاتها، أو لدى تنظيم الدولة ( تجاوزًا ) تكاد نِسبُه تكون مقبولة لدى الحواضن الشعبية، في حين أنّه على العكس لدى فصائل جهادية أخرى.

 

 و أوضح أمثلته ما تمّ رصدُه لدى عيّنات منضويّة تحت عباءة أحرار الشام، أو الجبهة الشامية، أو الفيلق؛ نتيجة ميلها إلى التمدُّد الأفقي، على حساب الرأسي، لأسباب ليس المقال موضع بحث فيها.

إنّ هذه الثغرة جعلت المراقبين يرصدون تململاً لدى الحواضن الشعبية، تجاه عدد من فصائلها، و قد جاءت تجربة تحرير مدينة إدلب لترسّخ ذلك الأمر لديهم، حيث كانت التجاوزات فيها غير مبررَّة لدى شرائح لا بأس بها.

الأمرُ الذي يدعو إلى التأكيد أنّ الربيع العربي بنيويّ و قيميّ، و ليس زامنيًّا أو فصليًّا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.