الثورةُ السورية، و ثقافةُ التصنيفِ و التخوين

قلّ أن تجدَ شخصًا أو قامة، إلاَّ و طالَها التخوين، أو كان لها نصيبٌ من التصنيف، بحسب الموقع الذي انتدبت نفسَها له، أو وُضِعَتْ فيه، اجتهادًا، أو قَدَرًا.

د.محمد عادل شوك،

 

عادل شوك
قصيرةٌ هي المسافة الفاصلة بين البُنى الاجتماعية لدى النظام و الثورة، من حيث المنظومة القِيَميّة؛ و ذلك أنّ المجتمع السوري قد عاش قبل الثورة على طاولة واحدة خمسين سنة، تطبّع فيها جلُّ أبنائه بطبائع، وَسَمَتْهُمْ بالوَسْم ذاته.
فلو أراد المتابع أن يجد فرقًا بين مُحازبي النظام، و أنصار الثورة، في الأحكام التي يطلقها كلٌّ منهما على مَنْ يصطفُّ معه ابتداءً، أو على الآخر؛ لوجدَ النعوت و الأوصاف نفسها تقال بحقّ الفريقين على حدٍّ سواء.
اللغةُ هي نفسها، و المفردات هي ذاتها، فالمصطفون في كلا الفريقين لا يتوانون في نعت بعضهم، أو خصومهم بألفاظ موغلة في عالم التصنيف و التخوين إلى الثُّمالة، على اختلاف نوع التُّهمة، و درجتها، و مرجعيتها.
أن يُسقط أنصارُ الثورة هذه الأحكام على لُمَامَة النظام أمرٌ فيه نظر، و أمّا أن يُلصقوها بمَنْ هو مصطفٌ معهم، و محسوب ٌ على خنادقهم؛ فأمرٌ دونه كثيرٌ من علامات التعجّب.
كلُّ مَنْ انتدب نفسَه للشأن العام، و الانضواء في مؤسسات الثورة، غدا شِباكًا مكشوفة، للتسديد عليها من أناس مُنفَكّين عن النظام بدرجات متفاوتة، كان أوضحها في 2011م، و لم تتطهّر نفوسهم من أدرانه بعد.
فعلى الصعيد السياسي، بدءًا من مؤتمر إنطاليا، ، وصولاً إلى مؤتمر الرياض، و مرورًا بالمجلس الوطني، ثم الائتلاف.
و على الصعيد العسكري: من حركة الضباط الأحرار، ثم الجيش الحر، وصولاً إلى عالم الفصائل المُؤَدلَجَة.
و على الصعيد المدني بكلّ تشعباته، بدءًا من المبادرات الفردية، و وصولاً إلى العمل المؤسسي المنضوي تحت أجنحة المنظمات الوافدة، أو الفصائل العسكرية، أو المدنية المحلية.
قلّ أن تجدَ شخصًا أو قامة، إلاَّ و طالَها التخوين، أو كان لها نصيبٌ من التصنيف، بحسب الموقع الذي انتدبت نفسَها له، أو وُضِعَتْ فيه، اجتهادًا، أو قَدَرًا.
الأمرُ الذي جعلَ هؤلاء في محنة مُضاعَفة، فخروجهم على النظام قد جعلهم فريسة قوانينه الجائرة التي جردتهم حتى من حقوقهم المدنية، ثم زادَ الطينَ بِلَّةً ذرابةُ الألسن، و التساهلُ في إطلاق النُّعوت و الأحكام من أشخاص شاطروهم عبء القيام بالثورة، من غير أن ينصهروا في عالمها القِيَميّ.
يقول الباحثون في علم الأنثروبولوجيا: إنّ عالم الماديات في المجتمعات سريع التبدّل و التغيُّر، في حين أنّ عالم القِيَم أشدّ استغراقًا منه؛ كي يزول منها كلُّ من تشبَّع بمنظومة القِيَم في فترة البناء الفوقي ( العهد البائد )، استعدادًا للولوج في فترة البناء التحتي ( العهد الجديد ) بمنظومته القيمية المغايرة له تمامًا، و هذا لا يكون إلاَّ بحدوث انفجار ثوري اجتماعي ينسف البناء الفوقي برُمَّته.
و تتأرجح مدة هذا البناء التحتي من جيل إلى جيلين ( من عشرين، إلى أربعين سنة )؛ و ذلك اعتمادًا على هذين العاملين:
1ـ طول مدة البناء الفوقي الذي عاش فيه المجتمع.
2ـ البِنية النفسية للتركيبة الاجتماعية المستهدفة في البناء التحتي.
و لذلك طالت فترة البناء التحتي عند بني إسرائيل أربعين سنة؛ نظرًا لطول فترة البناء الفوقي، الذي عاشوه في مصر من أيام يوسف، حتى خروجهم مع موسى عليهما السلام.
لقد طالتْ مدة التيه ( هو معنوي عند فريق من العلماء ) كي تتبدّل فيه منظومةُ قِيَمِهم؛ بهلاك جيلين منهم ( الأجداد، و الآباء ) أَلِفوا العبودية تحت ألوهية فرعون، و أُشربوا حُبَّ العبادة الحسية في العجل، و لم ترقَ نفوسهم إلى مستوى العبادة الغيبية لله.
و لذلك أيضًا غضَّ النبيُّ ﷺ الطرفَ عن بقاء هُبل و نظرائه الثلاثمائة و الستين حول الكعبة، و عن إساف و نائلة على قمتي الصفا و المروة، إلى حين فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة، بعد إحدى و عشرين سنة من بعثته، و هي نصف فترة تيه بني إسرائيل؛ لكون العرب أمّة أميّة، أقرب إلى الفطرة، فلم تتشبّع نفوسهم بلوثة العبودية و المماحكات العقلية، على غرار ما كان عند بني إسرائيل.
و ذلك حتى يكتمل البناء التحتي عند العرب، و تتلاشى قِيَمُ البناء الفوقي عندهم تمامًا؛ و بذلك تكون نفوسهم قد رضيت بزوال أصنامهم، قبل أن تطالها عصاه.
و يُرجَّح ألَّا تطول فترةُ البناء التحتي في سورية عن مثيلتها في الجزيرة العربية، و حتى ذلك الحين ستبقى ثقافة التخوين و التصنيف حاضرةً في المجتمع السوري بمنحنيات هابطة، وصولاً إلى مرحلة التلاشي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.