الثورات العربية والحاجة إلى المجتمع المدني

العربي الجديد _ سمير الزين
بعد موجة الديمقراطية التي ضربت الدول الاشتراكية، في مطلع تسعينيات القرن الماضي، عاد مفهوم المجتمع المدني ليطرح نفسه بقوة، جرّاء الدور الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني في مقاومة النظام الشيوعي في بولندا في الثمانينيات، وهو ما أطلق عليه مفهوم “المجتمع المدني الثاني”، والذي يوضع في إطار من التناقض مع مفهوم “المجتمع المدني الأول” الذي برز من خلال التأثيرات الإيجابية التي يحدثها انضمام قطاعات متزايدة للتأثير في إدارة شؤون الحكم، لتحصيل منافع سياسية للمجتمع اللاسياسي. أما “المجتمع المدني الثاني” فهو يؤكد على أهمية التجمعات المدنية التطوعية قوة موازنة للدولة، ويركز على اللاعبين الاجتماعيين الذين تتم تعبئتهم سياسياً خارج التجمعات السياسية المعروفة، وخصوصاً الأحزاب السياسية. ولسنوات، دار نقاش في العالم العربي حول “المجتمع المدني”، وقدرته على إنجاز استقلال ما عن الدولة الشمولية، وتوظيف هذا المجتمع ضد تغول السلطات القائمة، دارت النقاشات تحت تأثير ما جرى في دول شرق أوروبا، وكان عند كثيرين الأمل أن تصيب تداعيات الموجة الديمقراطية المنطقة العربية، خصوصاً بالنسبة للدول التي استعارت الأيديولوجيا الاشتراكية، واستعانت بهذه الدول لاستجلاب وسائل وآليات قمع وسيطرة على المجتمعات. ولأن مجتمعاتنا تفتقد افتقاداً مطلقاً للشفافية، فلم تكن التكوينات الفعلية للمجتمعات معروفة، ولا آليات الحكم وتغولها ومستوى اختراقها حيوات البشر عندنا. ما جعل التشابه بين أنظمتنا وشبيهتها في الدول الاشتراكية شكلياً.
مرت الموجة الديمقراطية في شرق أوروبا، ومرت موجة الديمقراطية في أميركا اللاتينية، وموجة الديمقراطية في جنوب شرق آسيا، وبقيت بلداننا تتعفن في انتظار المجهول. وعندما جاء الربيع العربي، وكان وعد الحرية، اكتشفنا أن مستوى اختراق الاستبداد البنى الاجتماعية أكبر من كل تصور، واكتشفنا، أيضاً، أن قدرة هذا الاستبداد في الذهاب بعيداً في تدمير بلده للدفاع عن سلطته، أكثر وحشية من أي تصور.
لكن هذا التغول وهذه الوحشية وهذا الخراب والدمار، هو نفسه ما يعيد طرح قضية المجتمع المدني، وعلى الرغم من كل الحالة السوداوية، تبقى الحرية المخرج الوحيد للمجتمعات المخربة، ولا يمكن لهذه الحرية أن تعيش إلا في مجتمع مدني، يحفظ للبشر حرياتهم الأساسية، ويجعلهم قادرين على تقرير مصير مجتمعاتهم عبر آليات ديمقراطية، فلا ديمقراطية بدون مجتمع مدني. وحتى يقوم المجتمع المدني بمهمته، لا بد من وجود شبكة كثيفة من المؤسسات المدنية، تعزز استقرار الكيان السياسي الديمقراطي وفعاليته، من خلال ما تحدثه هذه الجمعيات من تأثيرات إيجابية في تحشيد المواطنين، للوقوف وراء القضايا العامة المهملة من الإطار السياسي. فأساس المجتمع المدني أصبح ينظر إليه كمجال لنمو المؤسسات الطوعية الخاصة، بصفتها العنصر الأساسي في عملية التحول الديمقراطي، وفي ضمان سلامة كيان الديمقراطيات المستقرة. وبذلك، تصبح الميزة الرئيسية للمجتمع المدني قدرته على أن يعمل قوة موازية للدولة، لكنه لا يعمل على إضعافها، فحسب بوتنام “كلما زادت كثافة هذه الشبكات في مجتمع، زاد احتمال أن يتمكن مواطنوه من التعاون لتحقيق منفعتهم المتبادلة… وأن رأس المال الاجتماعي، كما يتمثل في الشبكات الأفقية للعمل المدني، يدعم أداء الكيان السياسي والاقتصادي وليس العكس: فالمجتمع القوي يؤدي إلى اقتصاد قوي، والمجتمع القوي يؤدي إلى دولة قوية”، أي أن القوة صاعدة من المجتمع إلى الدولة، وهي تسير باتجاه واحد غير قابلة للتغذية العكسية. لذلك، ينظر إلى “الشبكات الأفقية الكثيفة، وإن تكن متفرقة، بوصفها تحافظ على التعاون داخل كل مجموعة. وشبكات العمل المدني التي تعتمد عبر الفوارق الاجتماعية تعزز درجة أوسع من التعاون، فإذا كانت الشبكات الأفقية للعمل المدني تساعد المشاركين فيها على حل معضلات العمل الجماعي، عندئذ، نجد أنه كلما كانت المنطقة أكثر تماسكاً في بنيتها الأفقية ساعد في تحقيق النجاح المؤسساتي في المجتمع الأوسع. وينبغي أن تكون العضوية في الجماعات المنظمة أفقياً مرتبطة ارتباطاً إيجابياً بالحكومة الجيدة، وهو ما يحتاج مساحة واسعة من الحرية.
إذا كانت هذه آلية عمل شبكة الجمعيات التطوعية المدنية في الديمقراطية المستقرة، من أجل حمايتها وتوسيع حدودها، فإن وظيفتها في الدول التسلطية للتحول إلى الديمقراطية مختلفة جذرياً. ففي الدول التسلطية، حيث ضعف القوى السياسية أو وظيفتها استخدامية للسلطة، تحتاج المعارضة إلى الاستقلال عن السياسات التقليدية شرطاً للعمل في مواجهة الدولة. وفي مثل هذه الأوضاع، يعتبر المجتمع المدني مجالاً مستقلاً للقوة الاجتماعية، يستطيع المواطنون فيه أن يضغطوا على الدولة التسلطية، من أجل التغيير، ومن أجل حماية أنفسهم من الطغيان وفرض الديمقراطية من الأدنى.

نقاش عربي
هذه هي الخطوط العامة للنظر إلى المجتمع المدني، ودوره في الديمقراطيات المستقرة، وفي التحول الديمقراطي في الدول التسلطية. وقد أخذت هذه الصيغة التي بدت مجدية في تجربة بعض الدول الاشتراكية في مواجهة الطغيان طريقها إلى الفكر العربي، في محاولة لإيجاد مخرج للمأزق الذي تعاني منه دول المنطقة، فزادت الدعوات إلى بناء المجتمع المدني بشكل مضطرد، على قاعدة أن بناء هذا المجتمع هو الحل، أو المدخل إلى حل المأزق الذي تعاني منه الدول العربية.
وبذلك، لا يمكن فصل النقاش العربي عن المجتمع المدني عن الخيبات والأزمات التي عانت منها المنطقة العربية طويلاً، خصوصاً مأزق العمل السياسي المباشر الذي فشل في إقامة معارضة حقيقية تعمل في النور، بحكم مستوى القمع الاستئصالي الذي استخدمته السلطات المستبدة ضد كل أنواع المعارضة، ليس السياسية فحسب، بل حتى المجتمعية أيضاً. هذا الفشل للعمل السياسي في الموقع المركزي، موقع السياسة، دفع عاملين كثيرين سابقين في الأحزاب السياسية إلى إقامة منظمات مدنية طوعية، على أساس أن المستقبل القادم لصالح هذه المنظمات التي تعمل على تفكيك التسلط السياسي، ولكن، هذه المرة، من الهوامش لا من المركز. وبذلك، تم تحميل مفهوم المجتمع المدني مهام تفيض عن قدرته، هذا في حالة بناء المؤسسات المدنية الطوعية النموذجية، والسماح بها وعدم مقاومتها من السلطات. ويتم تحميل المجتمع المدني كل المهمات التي فشلت الأحزاب والقوى والحركات الاجتماعية في إنجازها. وحسب الطرح العربي، وكما يقول عزمي بشارة في كتابه “مساهمة في نقد المجتمع المدني” إن “المجتمع المدني يحاول تحقيق المستحيل، إنه يعطي تسمية جديدة لأحلام قديمة، محاولاً تجنب الأزمة بتغيير التسمية”. وهو يعتقد أن الاعتماد على الجمعيات المدنية في الحالة العربية لا يعطي النتائج المتوخاة منه، لأن مرحلة تشييد المجتمع المدني في العالم العربي، اليوم، تعني تحقيق الديمقراطية، وليس مجرد إقامة المؤسسات المدنية الحديثة لموازنة البرلمان، والناجمة عن قصور الديمقراطية، وهي غير قائمة أصلاً في العالم العربي. وهو ما يعتبره قفزاً عن المراحل الضرورية، مثل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية من أجل تحقيق مفهوم معاصر للمجتمع المدني.
وبما أن المجتمع المدني لا ينشأ من ضعف الدولة، إنما هو وليد قوة الدولة من أجل موازنة هذه القوة. فإن موضوع الرقابة قائم، لأن في استطاعة الدولة أن تراقب المجتمع. والمجتمع المدني هو نتاج تحديد صلاحيات الدولة، لأن في وسع الدولة أن تتجاوز صلاحيتها، وهو نتاج تحديد العلاقة بين المجتمع والدولة، لأن هناك خوفاً من أن تُخضع الدولة المجتمع كلياً. فإن المجتمع المدني ليس نتاج هدم الدول أو زعزعتها، وإنما هو نتاج تحديد العلاقة بينهما، كمجال السلطة واحتكار القوة، وبين المجتمع المفترض فيه أن يكون مصدر شرعيتها. وإذا أردنا أن نلخص وجهة نظر بشارة، نقول إنه لا يمكن القفز عن مهمات بناء “المجتمع المدني الأول”، والانتقال مباشرة إلى إقامة “المجتمع المدني الثاني”، والاحتياجات الراهنة تحتاج هذا وذاك، أو بالأصح تحتاج منجزات الأول، لتستطيع إقامة الثاني بطريقة سليمة.

مبادئ
يقوم المجتمع المدني على مجموعة من المبادئ، حسب برتران بادي في كتابه “الدولة المستوردة”، وهي: تفريق المجالات الاجتماعية الخاصة بالنسبة للمجال السياسي، وتفريد ــ أو فردنة ــ العلاقات الاجتماعية التي تضفي على انتماء المواطنة قيمة أولية، وأفقية العلاقات داخل المجتمع التي تمنح أولية للنهج الترابطي على البناء المجتمعي، ما يؤدي إلى تهميش الهويات الخصوصية لصالح هوية الدولة القومية.

وهنا تكمن المشكلة في المنطقة العربية، في فردنة العلاقات الاجتماعية، وتحويلها من علاقات جمعية عمودية إلى علاقات أفقية فردية، ما يعطي للجمعيات المدنية التطوعية معناها الحقيقي.
تمتزج فردنة العلاقات الاجتماعية إلى حد كبير مع مسار التطور الغربي، لكي يمنح كلاً من الدولة والمجتمع المدني وعلاقة المواطنة مدلولها كاملاً. وفي التاريخ الغربي، حسب بادي، لا يكون التمفصل بين الدولة والمجتمع محايداً، إذ تؤدي وفرة التفاعلات الأفقية، بمختلف فئاتها المحددة، إلى كبح جماح النظام السياسي وتنظيم المجالات. ومنذئذ، لا يكون الفاعل السياسي صاحب الأمر والنهي في البيئة المحيطة به. أما في ما يسميه بادي المجتمعات الطرفية (ونحن منها)، فإن دوام التكافلات المجتمعية، تكافل القبائل والجماعات والشلل، وتفضيل الهويات الأولية على هوية المواطنة، يخلقان حالة تراجع وانطواء داخل مساحات الجماعات الصغيرة، مثلما يتضح من خلال نمو الاتجاهات القبلية، وتكاثر نزعات الخصوصية. وفي مواجهة هذه الحالات الخاصة بتراجع الفرد وانطوائه، يستحوذ محترف السلطة (عصابات السلطة) على إمكانية كبيرة لتملك منافع اجتماعية، وللحصول بسهولة أكثر على الوسائل اللازمة لتحريك الحدود الفاصلة بين المساحات العامة والمساحات الخاصة لصالحه.
لأن العصابات السلطوية الاستبدادية العربية تحتل المركز والهامش، وتحتل حياة البشر بشكل اعتباطي، فهي لا تترك مجالاً لولادة مجتمع مدني من أي نوع، وهي حساسة جداً لأي استقلال عن السلطة، مهما كان سياسياً أو اجتماعياً أو حتى اقتصادياً، ما يجعل ولادة المجتمع المدني من النوع الأول أو الثاني ولادة مستحيلة، فلا شك أن البحث عن إمكانية النهوض في مواجهة التسلط عبر مؤسسات مجتمع مدني نوع من اليوتوبيا، فالتسلط الشديد، كما دلت الثورات العربية بحاجة إلى اقتلاع، حتى ينمو المجتمع في ظل الحرية، بحيث يصبح قادراً على إقامة علاقاتها ومؤسساتها التي تعبر عن هذه الحرية. وبذلك، لم يعد هناك طريق للذهاب إلى المستقبل، من دون الخلاص من الأنظمة العصاباتية التي تفرض تدخلاتها الفجة في كل المواقع، وتعدم الخصوصي والهامشي وحتى الشخصي، الذي يمكن أن يشكل قوة توازن قوة الدولة، وبتضامنها مع التكافلات الاجتماعية الجمعية السائدة في المجتمع، فإنها تعدم أية إمكانية، تحشيد فعالية لهذه المؤسسات والجماعات، ففاعلية هذه الجماعات في المجتمع المدني يتوقف بشكل حاسم على الإطار السياسي. وعندما يكون هذا العمل مرفوضاً في إطار الدولة غير الديمقراطية التي لا تستجيب لمطالب المواطنين، بوصفها مانحة للميزات، فإن طابع عمل مؤسسات المجتمع المدني سيأخذ طريقاً آخر، هو طريق الفساد المدعوم من السلطة العصاباتية نفسها المتغولة في كل مكان. وبحكم هذا الواقع، لم يكن غريباً أن يأتي انفجار الثورات العربية من أطر شبابية، لم تكن معروفة في عملها السياسي أو الاجتماعي، جاءت من الشباب الذين يحاولون أن ينخرطوا في الحياة، من دون جدوى، بسبب من إغلاق الاستبداد كل الطرق أمامهم، فكانت الثورة على هذه الأنظمة فعلياً من خارج الأطر. لذلك، جاءت هذه الثورات إلى الساحات بشباب تعلموا العمل السياسي في الميدان، وليس في الأحزاب السياسية، أو مؤسسات المجتمع المدني.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.