” التنين” الداعشي ..

بقلم _ عقاب يحيى

من فرنسا لسوسة بتونس
ومن الكويت لعين العرب.. يضرب تنظيم الدولة بقوة.. وكأنه ذلك التنّين بألف رأس الذي قرأنا عنه حيث كلما قطع رأس له نبتت رؤوس أخرى أقوى من خلايا السرطان..
الخلايا السرطانية تنتشر في مناخات مناسبة.. وقد صعد التوتير الطائفي درجة اللهيب الشامل الذي يجتاح بلداننا.. ليصبح وقوداً، ونارا تحرق أخضر ويابس الوحدة الوطنية، والكيانات القائمة، وتهدد بأنواع من حروب أهلية كالمطحنة.. بينما تشتعل الرؤوس بهدير الحقد والانفعال، ويتراجع التعايش والتعقل في خزائن التحنيط..
ـ من المسؤول عن الذي يجري ؟؟…
ـ هل تكفي أكاذيب نظم الاستبداد والعمالة بتوجيه الأنظار نحو المؤامرة الخارجية، وقصص وجود مشاريع للتقسيم، والفوضى الخلاقة والخنّاقة.. وقصص التكفيريين.. وحملات التحشيد الشعبي الطائفي، والمليشياوي وغيره لحسم هذه الظاهرة، بل وتفسيرها..أم أن الأمر أعقد، وأعمق ؟؟…
ـ هي مسؤولية تلك النظم الطائفية، الفئوية، النهبية، القمعية التي غيّبت المجتمع عقوداً، وفرضت عليه الإخضاع بقوة البطش واغتيال الرأي الآخر، وملاحقة المثقفين التنويرييين، واستقدام وتصنيع مجاميع الانتهازيين والمخبرين والواجهات المنخورة بينما كانت تنحر القيم، والمبادئ، وتدوس على الحقوق والمساواة وتكافؤ الفرص، وترتب الوضاع وفق منهج مملكة للرعب والصمت.. تُستدام فيها الوراثة أبد الآبدين، وتحويل الأوطان لملكيات خاصة ومزارع لعصابات يقودها ما يشبّه المؤلّه.. الذي لم يكسب معركة، ولم يحقق نصراً سوى على الشعب، ولم ينجز شيئاً سوى تخريب المجتمعات وتحويلها إلى جثث، ومستنقعات آسنة تفوح منها روائح الفساد والانتهازية، والفئوية، والفشخرة، وامتهان كرامة وحقوق البشر، وتحويلهم إلى أرقام وقطيع .. ,,
ـ وهي نتاج تركيب نظام تبعي عميل في العراق.. مارس الطائفية، والإقصاء، والاستئصال بعنجهية الدعم الأمريكي ـ الإيراني، وبمنظومة متخلفة من الأفكار والمرجعيات التي توظف ” المظلومية” بطريقة فاحشة وتبعثها حيّة من طيّات التاريخ للتحقيد والتعبئة التقسيمية، ونهب العراق بطريقة لا تخطر على البال.. وإحياء وموضعة المحاصصة الطائفية والإثنية.. وإبراز مصطلحات جديدة عن الشيعة، والعرب السنة، والمكوّنات، والأقليات، والأكثريات، والإثنيات، والقوميات، والعشائر والقبائل، والحارات والمرجعيات الدينية وفتاويها الخارجة من كهوف الظلامية والحقد، وردود الفعل..ثم ” التحشيد الشعبي” الطائفي الممتلئ بتحشيد الحقد والانتقام والتطهير والتبعية .
ـ وهي ترجمة لجوهر المشروع الإيراني الذي فشل على مدار العقود في تسويق نفسه كمشروع إسلامي عام لا يخص فئة أو طائفة، ولا يستقي من منحنيات تاريخ الصراع وقوده، ومسوّغات انتشاره، حين طغى فيه الجانب القومي، وبرز النهج المذهبي رأس حربة، لفكر شيعي موغل بالغموض والاختلاط، خاصة حول ولاية الفقيه، وقصة المهدي المنتظر.. وإشارات حضوره، أو اقتراب وجوده..بينما كانت عمليات التشييع التي توُظف فيها كل الإمكانات تقوم بإحداث شروخات عميقة في المجتمعات العربية، وتدفع بنى التخلف، وقوى الماضوية السائدة إلى ركوب موجة التخويف، وتصدّر مشهد الدفاع عن الذات السنية بديلاً لللأوطان والوطنية، وترفع عقيرة ردّ الفعل إلى مستوى الاستنفار ، وطمس جوهر الصراع، أو حرفه، أو إغراقه بمزيد فيض الخوف، والتجييش الشعبي..
ـ وهي مخططات صهيونية قديمة مستجدّة لعبت على مختلف عوامل الانقسام والفرقة والتمزيق، وأهمها، وأقواها دحر الفكر الديمقراطي، العقلاني، التعايشي، النهضوي، الوطني، الوحدوي، وتقوية الاتجاهات الدينية والمذهبية والإثنية.. وقد وجدت تلك المخططات حواضنها القوية في الإدارات الأمريكية المتعاقبة، خاصة أيام حكم” اليمين المحافظ ” الذي قرر غزو العراق وتدمير دولته وإطلاق “مارد” المذهبية والعصبيات الإثنية من مضاجعها وقماقمها، ثم تسليم العراق لإيران.. وركوب صهوة فلسطين والمقاومة، وسط فراغ سديمي أحدثه نظام الحكم العربي متقطع الأشلاء.. ومواصلة ذلك عبر حسابات إدارة أوباما، وتوجهاتها، وضعفها، وتغليبها الثانوي على الرئيس، والساحات الأخرى على حساب وطننا.. وفي طريقة التعامل المشبوهة مع الثورات العربية وما تواجهه من تعقيدات منراحل الانتقال.. والغرق في لجاج الحروب الداخلية، وتقوية، واستقواء بنى وقوى النظام القديم ..
ـ وفي الأساس من كل ذلك فإن فشل مشروع النهوض التحرري، الجمعي، التوحيدي، الحداثي من قبل حَمَلته، ثم خيانته الفاضحة من مدّعي وراثته ـ بعد الردّات الصارخة ـ خاصة في سورية ومصر، وتوظيف البنى القديمة لنهش المجتمع وحراك تطوره، وللاستناد عليها في ديمومة النظام عبر إحداث صراعات اجتماعية متعددة الأشكال، واستخدام الواجهات السنية، والدينية على العموم، وعصابات المافيا الجديدة التي ولدت من رحم تلك الأنظمة، وعلى هامش نهجها الاقتصادي : الريعي، النهبي، الإفسادي، في حين كان يجري تقسيم الوحدة المجتمعية على أكثر من عامل، خاصة الطائفي منها، والإثني، وصولاً للجهوي والعشائري وحتى الحاراتي والزواريبي ..
ـ جميعها عوامل مخصّبة لقوى التطرف والتشدد، ولحركات ردّات الفعل العنيفة التي تمثل اليوم إعصاراً غرائبيا لا أحد يعرف مصادره بالضبط، وقوى استناده، ومغذّياته، ومآله.. وهو يقوى، وينجح في التمدد، وفي تجاوز كل ما يحكى عن الخسائر، وضربات التحالف الدولي في مقاومة الإرهاب..
****
الخوف كبير في إشعال المنطقة بالكامل بشتى أنواع النزاعات المتفجرة، وأشدها قسوة، وعنفاً، وأثراً تلك التي تستخدم المذهبية خلفية وغطاء لأنها داخلية، وتشرخ النسيج المجتمعي، وتحول الأوطان إلى كيانات متناحرة، مفتتة، بينما تتغوّل النزعات الإثنية باحثة عن وجود يتجاوز حقوقها المشروعة في المساواة، والعدل، وبما تؤكّده الدولة التعددية لجميع مواطنيها..
ـ عن بلورة مشروع عربي نهضوي يواجه مشاريع التفتيت، والهيمنة، ودعم ثورات الربيع العربي في التغيير الشامل من قبل القوى العربية أساساً، والالتفاف حول المواقف الوطنية، وإعلاء راية الوطن أولاً، ومنطلقاً، والتوحّد بين القوى المعنية في جبهات عريضة.. يشكل المدخل لدحر تلك المشاريع، وحصارها، وتجفيف بحيرات ومستنقعات الطائفية السياسية، ومشروع إيران المذهبي، ومخططات الصهيونية التقسيمية ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.