التنمر.. مقاربة في المصطلح المتداول وتعامل الدراسات النفسية مع هذه الظاهرة

ماذا نعني بالتنمر؟ وهل هو كما يعتقد البعض أنه دخيل على اللغة والثقافة العربيتين؟ وكيف تعاملت مدارس علم النفس، ونظريات علماء النفس مع هذه الظاهرة؟

الأيام السورية؛ سلام محمد

يُعتبر التنمّرُ شكلٌ متعدد الوجوه من أشكال سوء المعاملة، ويصادف بالدرجة الأولى في المدارس وأماكن العمل، ويتصف بالتعرض المتكرر لشخصٍ ما للعدوان البدني أو الانفعالي بما فيه المضايقة والاستهزاء والتهكم والتهديد والتحرش والإهانة والسخرية والاستبعاد الاجتماعي والإشاعات.

المعنى المعجمي

جاء في “لسان العرب”، في مادة “نمر” أنّه يقال للرجل السيء الخُلُقِ: قد نَمِرَ وتَنَمَّرَ. ونَمَّرَ وجهَه أَي غَيَّره وعَبَّسَه.

كما جاء في المعاجم المعاصرة أن: تنمَّرَ / يتنمَّر، تنمُّرًا، فهو مُتنمِّر، والمفعول مُتنمَّر له.

تنمَّرَ الشَّخصُ: غضِب وساء خلقُه، وصار كالنَّمِر الغاضب، تَنَمَّرَ، يَتَنَمَّرُ، والمصدر: تَنَمُّرٌ أي أرَادَ أنْ يُخِيفَ رِفَاقَهُ فَتَنَمَّرَ أي تَشَبَّهَ بِالنَّمِرِ وَحَاوَلَ أنْ يُقَلِّدَ شَرَاسَتَهُ.

المعنى الاصطلاحي

هو مصطلح جديد، وكان يستخدم بدلا عنه، شعبيّا: مصطلح “البلطجة” وفي الدراسات الاجتماعية والنفسية، مصطلح “الاستقواء”، قد بدأ مصطلح التنمر بالظهور بداية الألفية الثالثة، وهذا لا يعني أنه لم يكن موجوداً في الأمم السابقة، لكن بات أكثر حضورا مع انتشار لغة العنف في البيت والمدرسة والعمل.

والتنمر موجود في المجتمع، ابتداء بالأسرة وانتهاء بأشكال التجمع الأخرى (المدرسة، الحي، العمل..) ويعرف القارئ كثيرا من هذه النماذج، فمثلا، حكايا التنمر الوظيفي تخيّم في الدول العربية، سواء بالواقع أو بالفن.

وورد في مجلة منظمة الصحة العالمية، أن “التَّنَمُّرُ (التهديد بالعنف أو البلطجة)، مشكلةٌ صحيةٌ كبرى تتطلب الوقت والاهتمام المتضافرين والمتناسقين من جهة مقدمي الرعاية الصحية وصانعي السياسات والعائلات”.

صورة تعبيرية(أحوال)

 

تعريف التنمّر في علم النفس

يعرّف علم النفس التنمّر بأنه سلوك عدواني متكرر يهدف للإضرار بشخص آخر عمداً، جسديا أو نفسيا من أجل اكتساب السلطة على حساب شخص آخر. وقد ينطلق التنمر من مجموعة قوية ضد مجموعة أضعف لتهديدها وتخويفها وفرض السيطرة عليها.

مدارس ونظريات

اختلفت نظريات علماء النفس حول التنمر (السلوك العدواني/ الاستقواء)، فالنظرية الاجتماعية ترى أن التنمر يعود إلى النزعات الاجتماعية الخفية للأحكام المسبقة والتمييز، وغالباً ما يؤثر على الأشخاص الذين يتمتعون بخصائص محمية كالعرق والدين والحياة الجنسية والهوية الجنسانية والإعاقة، أكثر من غيرهم، ويرى بعضهم أن الأثر النفسي للاستلاب الاقتصادي واغتراب الإنسان عن العمل في واقع البؤس الاجتماعي القائم على الاستغلال، عوامل تغذية دائمة للتنمّر.

النظرية السلوكية تنظر إلى سلوك التنمر على أنه سلوك يتعلمه الطفل من المجتمع، فالسلوك العدواني متعلم اجتماعيا عن طريق ملاحظة الأطفال نماذج العدوان عند والديهم ومدرسيهم وأصدقائهم وأفلام التلفزيون وفي القصص التي يقرؤونها، كما أن نزعة التقليد لدى الطفل في هذه المرحلة العمرية تنمي لديه العدوان المكتسب.

في حين ترى نظرية التحليل النفسي أن سلوك العدوان والتنمر ما هو إلا تعبير عن غريزة الموت، حيث يسعى الفرد إلى التدمير سواء تجاه نفسه أو اتجاه الاخرين، حيث أن الطفل يولد بدافع عدواني، وتتعامل هذه النظرية كذلك مع سلوك العدوان بأنه استجابة غريزية وطرق التعبير عنها متعلمة.

صورة تعبيرية(مجلة شبابيك)

أما النظرية الفسيولوجية فيعد ممثلو الاتجاه الفسيولوجي أن سلوك التنمر يظهر بدرجة أكبر عند الأفراد الذين لديهم تلف في الجهاز العصبي (التلف الدماغي)، ويرى فريق آخر بأن هذا السلوك ناتج عن هرمون التستستيرون، حيث وجدت الدراسات بأنه كلما زادت نسبة هذا الهرمون في الدم، زادت نسبة حدوث السلوك العدواني.

في حين تفسر النظرية الإنسانية أسباب سلوك التنمر من خلال عدم إشباع الطفل أو المراهق للحاجات البيولوجيه من مأكل ومشرب وحاجات أساسية أخرى، قد ينجم عن ذلك عدم شعور بالأمن، وعدم الشعور بالأمن يؤدي إلى ضعف الانتماء إلى جماعة الأقران والرفاق، ما قد يؤدي إلى تدن في تقدير الذات، والذي قد يؤدي إلى التعبير عن ذلك بأساليب عدوانية، مثل سلوك التنمر.

طيف الحالات المرضية

يحظى التنمّر بكمّ مُتنامٍ من البحوث التي تلقي الضوء على طيف من الحالات المرضية التي تصيب الأفراد المتورطين في التنمّر سواء بصفتهم شهوداً أم متنمّرين أم ضحايا. “فالطلاب المتورطون في التنمّر يقعون تحت أخطار متعددة للإصابة بطيف واسع من الأعراض النفسية الجسدية والهروب من البيت ومعاقرة الكحول والمخدرات والتغيب عن الدروس وعلاوة على ذلك الإصابات الناجمة عن إيذاء الذات أو الحوادث أو الأذى المقصود من الآخرين.

كما تمتد عواقب التنمّر إلى سن الكهولة حيث توجد بينات حول الترابط الهام بين سلوك التنمّر أثناء الطفولة والمراهقة النفسانية لاحقاً، عدا ذلك، فإنّ البالغين الذين يتعرضون للتنمّر في مكان العمل لديهم استعداد للمخاطر الصحية المتنوعة، بما فيها الاكتئاب والمشاكل القلبية الوعائية.

مصدر مجلة منظمة الصحة العالمية، لسان العرب، علي موسى الصبيحيين ومحمد فرحان القضاة، سلوك التنمر عند الأطفال والمراهقين.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.