التقليد التأملي في نقد العالم مقابل الهذيان المؤامرتي

بمناسبة اختراع شريحة تزرع في الدماغ

الهذيان المؤامرتي، هل يدلّ على شعور عام بوجود أزمة على مستوى العالم فلم يعد الناس يثقون بالحكومات والنظم القائمة، وعلى شعور الناس بأنهم غير قادرون على التحكم بحياتهم ومصائرهم؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

منذ بداية أزمة فيروس كورونا قُدِّم عدد لا ينتهي من نظريات المؤامرة، ولا أرغب هنا بعرض هذه النظريات، لكنني سأركز على بعض الرؤى شبه السياسية الذي تتخذ طابع نقد ضبابي عائم، وتغلف نفسها بصبغة فلسفية نقدية منهجها أشبه بلاهوت تأمّلي، وأقول لاهوت تأملي لأنها لا تقدّم أي رواية واضحة للعالم، بل تكتفي بالحديث عن وجود مؤسسات عالمية غير جديرة بالثقة، وقوى مسيطرة على العالم، ولا تقدم أي جديد إلى ما انتهت إليه الرؤى الفلسفية والسوسيولوجية التي تحدثت عن السيطرة والهيمنة.

مؤخراً بمجرد نشر خبر عن إمكانية زرع شريحة في الدماغ لمساعدة المصابين بالزهايمر، ربط الكثيرون بين أزمة كورونا والشريحة ووجود مخطط سري قديم/جديد للهيمنة يجري على قدم وساق ونحن في مراحله النهائية، يشترك في ذلك أبسط الناس مثل البقال في حارتي وكتاب مثقفون، وهذا إن دلّ على شيء فعلى شعور عام بوجود أزمة على مستوى العالم فلم يعد الناس يثقون بالحكومات والنظم القائمة، وعلى شعور الناس بأنهم غير قادرون على التحكم بحياتهم ومصائرهم.

المجتمع الرأسمالي الحديث.. قوننة وتنظيم كل شيء

تحدث ماكس فيبر الفيلسوف اﻷلماني في نهايات القرن التاسع وبدايات القرن العشرين عن توجه في المجتمع الرأسمالي الحديث نحو قوننة وتنظيم كل شيء، ووضعه ضمن سلطة مؤسسات وموظفين يشكلون آلة بيروقراطية ضخمة، وانتهى إلى أن هذه اﻵلة ستشكل قفصاً حديدياً يطوّق اﻹنسان الحديث، ولعله كان متأثراً بوضع بلده ألمانيا – الذي يشتكي حالياً جميع من يعيش فيها من اﻷجانب من بيروقراطية جامدة رغم كفاءة نظام الرعاية الاجتماعية – لكن تنبؤاته تصدق على كثير من بلدان العالم الرأسمالي الحديث.

طرح هربرت ماركوزه نظريته عن الهيمنة في المجتمع الاستهلاكي، فلم يعد القمع السافر هو وسيلة القمع، بل السيطرة على البشر وتدجينهم عبر منتوجات الثقافة واﻹعلام.

الهيمنة في المجتمع الاستهلاكي

أما التيار التأملي في علم الاجتماع والفلسفة الذي كانت مدرسة فرانكفورت رائدته، فانتقد نزعة العلوم اﻹنسانية الوضعية التي ترمي للقيام بدراسات تثبّت المجتمع القائم، وطرح ضمن هذا اﻹطار هربرت ماركوزه نظريته عن الهيمنة في المجتمع الاستهلاكي، فلم يعد القمع السافر هو وسيلة القمع، بل السيطرة على البشر وتدجينهم عبر منتوجات الثقافة واﻹعلام، فيعتقد البشر أنهم أحرار وأن خياراتٍ مختلفة متاحة أمامهم، لكنها في حقيقتها خيارات معدة سلفاً، فكل شيء مضبوط.

اتسمت تجربة ماركوزه الحياتية والمجتمعية بالتنوع والغنى، فقد عايش وصول النازية إلى الحكم في ألمانيا وعاصر الستالينية، وعاش في فرنسا فترة من الزمن، وانتهى به المطاف إلى الولايات المتحدة، وأهّله ذلك لفهم مجتمعات رأسمالية مختلفة في ديمقراطيتها وفي فاشيتها، وكونه من أصحاب التقليد التأملي لا يعني ذلك أنه كان راهباُ منكفئاً في صومعته بل يعني أنه دافع عن التأمّل لطرح خيارات بديلة وأسئلة بديلة حين كانت الجامعات في العالم الرأسمالي تتجه نحو تشكيل علوم لا تسائل الواقع. حظي ماركوزه بشعبية واسعة بين شباب الثورة الطلابية في نهاية الستينيات من القرن الماضي، حتى أنه كان مشاركاً في المظاهرات في الولايات المتحدة، ومهدداً بالاغتيال على يد العصابات اليمينية البيضاء، ووصفه رونالد ريغان حين كان حاكماً لولاية كاليفورنيا بأنه شخص مثير للمشاكل، كما أن ماركوزه استفاد من مجمل التراث الفلسفي والسوسيولوجي والأدبي المتراكم في بناء نظريته النقدية، بمعنى أنه جاء تتمة لتقليد نقدي وترك تراثاً يبني عليه من يأتي بعده.

صورة تعبيرسة(فيسبوك)

الديستوبيا في اﻷدب

وفي اﻷدب ظهرت مئات الروايات عن الهيمنة وعن مجتمع تسيطر فيه قلة من البشر على اﻷكثرية الدهماء، تستلهم جميع هذه الروايات جورج أورويل صاحب الرواية الشهيرة ١٩٨٤. تقدم الأورويلية تصوراً ديستوبياً (1) روائياً عن مجتمع مستقبلي مضبوط تسوده الفاشية المدعومة بكل أشكال التقنية لضبط البشر، ومن عباءة الأورويلية خرجت مئات الأفلام والروايات، وكما هو الحال مع ماركوزه عاش جورج أورويل تجربة حياتية غنية، وتنقل بين عدة دول واحتكّ بمجايليه من أهم الكتاب، وكان من بين اليساريين الذين قدموا إلى إسبانيا وانضموا إلى المجموعات اليسارية المسلحة التي كانت تقاتل اليمين الفاشي الذي يقوده فرانكو، وأغنته هذه التجربة كثيراً لفهم هباء الأيديولوجيا، لقد اتسمت تجربته بالغنى إلى جانب عبقريته الشخصية وذهنه المتقد

صورة تعبيرية(أنترنت)

تميزت الرواية الأورويلية والماركوزية عن الهيمنة بالتماسك، وحين نقول رواية نعني أن هناك نظرة وإن كانت تأملية لا تخضع لإمكانية الإثبات الكمي فهي تبقى متماسكة، لكن بالمقابل تجنح الروايات المؤامراتية نحو الغيب، وتستخدم سلم مفردات سحري تمائمي غير واضح المعالم شديد العمومية مغرق في الغيبية: الحكومات، أصحاب السلطة، المؤسسات القائمة، المثقفون.

وكأننا أمام كل هذا العالم الفوضوي – الذي يبدو أنه محكوم بالعقل لكنه ينتج الهذيان كل يوم – يجب أن نعود إلى مصدر خفي واحد يفسر كل شيء وهو مؤامرة يقودها ملوك العالم السفلي السري، إنها تمائم مواساة ذاتية أكثر منها نظرة تأملية إلى العالم. ورغم أنني من المدافعين عن دور التأمل في الخروج على القواعد الوضعية في العلوم اﻹنسانية، لكنني أجد مثل هذه التصورات – التي يظن أصحابها أنهم يكتشفون أسرار الهيمنة التي لا يشعر بها الآخرون – ضرباً من الهذيان الغيبي نابعاً من رفضٍ لعالم بات منمطاً رغم ما يمنحه من خيارات مختلفة، وعالم لا يملك البشر في مسار الحياة اليومية الكثير لتغييره.

التقليد التأملي لا يعني إلا هذيان لا يرقى لتأمل اورويلي أو ماركوزي أغنى فهمنا لآليات السيطرة إلى أبعد الحدود، لكنه مع ذلك يشكل ملمحاً من ملامح رفض لعالم لا نملك إمكانية اﻹمساك به.

خضوع المؤسسات العالمية لمراكز صنع القرار السياسي

إضافةً إلى أن خضوع المؤسسات العالمية كمنظمة الصحة العالمية لمراكز صنع القرار السياسي ووجود فساد فيها مسألة يكاد يعرفها الجميع ولا جديد هنا، إن هذا التفكير المؤامراتي تفكير لاهوتي لأنه ينسب قدرة مطلقة لما يعتقده مركز قيادة العالم، فهم يستطيعون ضبط كل شيء من إنتاج فيروس وإيجاد دواء له ونشره، والتحكم بكل شاردة وواردة وفق مخطط موضوع سلفاً، شخصيّاً أميل إلى القول إن الفوضى والدمار هو الطريق الذي تمضي إليه البشرية بسبب انعدام العدالة في العالم  ( وتفاصيل ذلك تشمل كل أنواع التفاوت بين البشر) ، وقهر اﻹنسان للطبيعة.

الهذيان اللاهوتي المؤامراتي

لقد قدم أصحاب التقليد التأملي حتى في الرؤى الخيالية الأوريلية تصوراً نقدياً ملهماً أكثر واقعية من هذا الهذيان اللاهوتي المؤامراتي.   بعبارة أخرى التقليد التأملي لا يعني ما يعتقده بعض الكتاب الذين كلما ظهر اكتشاف تقني وكلما ظهرت جائحة جديدة يخرجون بحبكات مؤامراتية، ظناً منهم أنهم قدموا ما يفيد لقلب الطاولة على مجموعة من الخبثاء يحكمون العالم ويحيلوننا عبيداً لهم، معتقدين أنهم تجرؤوا على قول مالم يقلهم سواه. إنه هذيان لا يرقى لتأمل اورويلي أو ماركوزي أغنى فهمنا لآليات السيطرة إلى أبعد الحدود، لكنه مع ذلك يشكل ملمحاً من ملامح رفض لعالم لا نملك إمكانية اﻹمساك به.

صورة تعبيرية(فيسبوك)

عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية


(1) بخصوص الديستوبيا انظر في (الرابط هنا)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.