التفكير الإنساني كتفكير غيبي.. لماذا يجب أن نطرح الأسئلة البديهية؟

سؤال بديهي، لو أنّ الاسم الذي كان موجوداً في الخيارة كان اسم إبليس بدلاً من الله، هل سيتم اعتبار الخيارة كافرة مثلاً!؟، أو مثلاً أن ترى اسم نيوتن في تفاحة فهل هذا سيكون دليلاً على إلحادية التفاحة!؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

لا تخرج قبل أن تقول سبحان الله، عبارة اشتُهرت منذ أن أصبح بعض السوشيال ميديا ركيزة أساسية في ثقافة مجتمعاتنا التقليدية وأجزاء منها استغلال ديني للعقول الفقيرة.

في أي حالة وتحت أي صورة كانت تُكتب تلك العبارة، وبغض النظر على أنّ الصور المعروضة هي معدّلة على برامج، لكن سأفترض أنّ تلك الصور حقيقية، من مثال الخيارة التي كان اسم الله مكتوباً فيها.. وهنا يظهر سؤال بديهي، لو أنّ الاسم الذي كان موجوداً في الخيارة كان اسم إبليس بدلاً من الله، هل سيتم اعتبار الخيارة كافرة مثلاً!، أو مثلاً أن ترى اسم نيوتن في تفاحة فهل هذا سيكون دليلاً على إلحادية التفاحة!.

قد يبدو السؤال ساخراً وساذجاً بالنسبة لأولئك الأشخاص الذين يقولون سبحان الله على صورة خيارة محفورة باسم الله؛ لكن لمجرد تعارض الفكرة مع قناعاتهم سيستهزؤون منها ويتحولون إلى أشخاص عقلانيين في التفكير، لكنهم يؤمنون لمجرد أنّ الله الذي يؤمنون به ظهر اسمه في خيارة؛ إنها أشبه بتطبيق فكرة تقليدية تقول: أن توافق على ما يُعرض، حينها تكون مؤمناً طبيعياً لا يكفر بقدرة الله، لكن لمجرد أن تطرح سؤالاً مغايراً حتى لو كان بديهياً، حينها يصبحون عقلانيين وهازئين.

الإنسان بطبعه يرفض بديهية السؤال ويعتبره نوع من السخرية غير المجدية، على الرغم أنّ تلك الأسئلة مفيدة دائماً لتهديم الأنماط التقليدية التي لا تحاول أن تفكّر خارج الصندوق.

الإنسان بطبعه يرفض بديهية السؤال ويعتبره نوع من السخرية غير المجدية، على الرغم أنّ تلك الأسئلة مفيدة دائماً لتهديم الأنماط التقليدية التي لا تحاول أن تفكّر خارج الصندوق.

وكي لا يشعر المتدينون بالإحراج من المثال الذي قيل، دعونا نأخذ مثالاً للأشخاص الذين ينضوون تحت راية التفكير العلمي؛ في آخر حديث مع أحدهم حول فيروس كورونا أخبرته أني مقتنع تماماً بأنّ الفيروسات أصبحت تمتلك وعياً وإدراكاً، حينها نظر نحوي موحياً إليّ لعدم عقلانيتي عندما أخبرته عن السبب الذي دعاني للاقتناع بوعي الفيروسات، ومجمل ما طرحته يتجسد بما يلي: فيروس كوفيد قد انتشر لما يقارب سنتين وقضى على الملايين، لكن لمجرد إنتاج اللقاح استطاع الفيروس أن يُنشئ أربع سلالات متحوّرة عنه في أقل من ستة أشهر. لعام ونصف كان الفيروس هادئاً لطيفاً وكيوت ويقضي على البشر بما يملكه من أدوات حيّة وبسيطة، لكن لمجرد إنتاج المصل المضاد دون حتى استخدامه على كل الأجسام المصابة، استطاع الفيروس أن يتحوّر ويُنتج سلالات أخرى بسرعة هائلة.. أليست هذه الحركة الفيروسية كافية لنفهم ما يمتلكه فيروس كورونا من وعي وإدراك لما يفكّر به البشر في محاربة الكوفيد قبل بدأ الحرب ضده!.

ما طرحته بالنقاش مع ذلك الشخص هو سؤال بديهي يجب أن يُطرح، لكن لا أعرف لماذا لا يريد أحد طرحه، ربما لأنّ الناس تخاف من خسارة الكاريزما الخاصة بها في الذكاء، وربما أطرح هذه التصورات الخيالية – بحسب منطق البعض – لأني لا أهتم كثيراً بفكرة الذكاء البشري، أو ربما لاعتباري أنّ الذكاء بالعام هو التوغّل في البديهيات.

في النتيجة، المؤمن الذي لا يخرج قبل أن يقول سبحان الله، أو العلماني الذي يعتبر الأمور واضحة لدرجة عدم مناقشتها، كليهما ينفذان فكرة عدم طرح الأسئلة البديهية، وبالتالي كليهما قادران على إبقاء التفكير القائم قائماً دون أي تعديل أو تطوير للفكرة المطروحة.

من المهم أن نسأل الأسئلة البديهية حتى لو كانت مضحكة بالنسبة للأشخاص الواثقين من أفكارهم وأيديولوجياتهم والذين ينظرون لأي فكرة مضادة لهم، بترفّع، وحتى لو لم نستطع للوصول إلى إجابة دقيقة في تلك الأسئلة البديهية، لكن مجرد الطرح هو بحد ذاته خلق حالة من الريبية والتشكيك بأي شيء راسخ في قناعاتنا.. وهزّ القناعات الثابتة إن كانت سلبية أم إيجابية هي أساس أي تطوير اجتماعي وفكري وثقافي.

في النتيجة، المؤمن الذي لا يخرج قبل أن يقول سبحان الله، أو العلماني الذي يعتبر الأمور واضحة لدرجة عدم مناقشتها، كليهما ينفذان فكرة عدم طرح الأسئلة البديهية، وبالتالي كليهما قادران على إبقاء التفكير القائم قائماً دون أي تعديل أو تطوير للفكرة المطروحة.

ليس المهم أبداً أن نكون على حق أو أن نرسّخ الحقيقة كما نراها، بالأصل لا وجود لشيء يسمى حق وحقيقة في النسبيّة الإنسانية، هناك آليات تعبير مساواتي، وآلية التعبير المساواتي هذه يجب أن تخضع لكل شيء، ليس فقط السياسي، بل في الدرجة الأولى الثقافي والتفكير الإنساني.

السؤال البديهي يرسّخ هذه الآلية المساواتية لأنه لا ينظر لنفسه كسؤال يجذّر حقيقة الرأي لدى البشر، بل يتعامل مع الحقيقة القائمة في وعي الناس كشيء تافه ومضحك وغير مقدّس (لا دينياً ولا علمانياً).. يجب الإغراق فيه لتهديمه واكتشاف المغاير دائماً؛ إنه تجسيد لمقولة جيدة في هذه الحياة: “لا أملك الحقيقة كما لا تملكها أنت”.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.