التعليم في سوريا، صناعة القطيع البشري

هل يمكن للتعليم أن يخلق تغيرات ثقافية وأخلاقية؟ وهل يمكن لهذا التغيير المُمنهج الواعي أن أن يطور المجتمع؟ ولماذا نجد أن الدول المتقدمة تولي أهميّة كبرى للتعليم، أما في الدول المستبدّة كسوريا فيصبح التعليم مكاناً للسيطرة على الرأي العام، والإخضاع، والعبودية؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

لا ينتهي الجدل العالمي حول أنجع الوسائل التربوية والتعليميّة للتعامل مع الأطفال، وكيفية تحويل المدرسة من نظام قمعي يثقل كاهل الطلاب إلى نظام يفجر طاقاتهم ويكون مُعيناً لهم على معالجة مشاكلهم النفسية وما يعترضهم من عقبات تعليمية، ويتعامل معهم كأفراد لكلٍّ منهم شخصيته الفريدة بدلاً عن الحالة القطيعيّة التقليدية. وبكل تأكيد لا يوجد نظام في العالم بأسره وصل إلى الحالة المثالية المنشودة، فالتعليم كقطاع لا يشتغل بشكل مستقل عن المجتمع في نهاية المطاف، فهو مرتبط بحاجات سوق العمل والشركات ويخضع لها، وهو ما زال خاضعاً للتقسيمات المجتمعية الثقافية والطبقية، لكن ثمّة مجتمعات تسير في خط بياني نحو الأفضل، فيما نجد مجتمعاتٍ تتهاوى فيها المنظومات التعليمية، وتصبح جزءً من منظومة القمع كما هو حال التعليم في سوريا.

التعليم إحدى روافع التقدم الأساسية

يأتي الإلحاح على التعليم من كونه إحدى روافع التقدم الأساسية، وهو دون شكٍ لا يمكنه أن يطور المجتمع بمفرده، فأولاً : لا بد لتطوير التعليم من أن يسير بالتوازي مع تطوير قطاعات أخرى، وثانياً: يتأثر التعليم بالثقافة المجتمعية بمعناها الشامل، فتمثيلات الثقافة توجد في أذهان المدرسين والطاقم التعليمي وفي بنية المدرسة وواضعي المناهج، غير أن التعليم بدوره يخلق تغيرات ثقافية وأخلاقية، ويمكن للتغيير المُمنهج الواعي أن يحقق الكثير، لهذا السبب نجد أن الدول المتقدمة تولي أهميّة كبرى للتعليم، أما في الدول المستبدّة كسوريا فيصبح التعليم مكاناً للسيطرة على الرأي العام، والإخضاع، والعبودية.

علاقة التعليم بالمنظومة الأبوية السائدة في الأسرة والمجتمع

أفضّلُ مقاربةَ العملية التعليمية في سوريا تقوم على مقاربتها بوصفها تعبيراً مركّزاً عن المنظومة الأبوية السائدة في الأسرة والمجتمع، وانعكاساً لنظرة النظام السياسي القائم إلى ما يعتبرهم رعاياه من المواطنين السوريين (هي تعبير عن المنظومة وأداة لها ولإعادة إنتاجها). يقوم على رأس العملية التعليمية مدرّس/ة قوي وحانٍ، ينوس بين حالة العنف وبين الحنان والعطاء، فحين يؤدي الطلبة ما هو مطلوب منهم يغدق عليهم الحنان والثناء، ولكن ما إن يحدث العكس ينتقل الحنان إلى نقيضه: عنف مطلق لا حدود له، عنف لفظيّ تحقيريّ، ويبدأ تحقير الطالب من أدائه الدراسي ويمتدّ إلى شكله وهندامه وتسريحة شعره وإلى أي شيءٍ تجود به قريحة المُدرِّس، ويشمل عقوباتٍ أبسطها الوقوف بطريقة متعبة ومؤلمة ومهينة، ويتضمن الضرب بمختلف فنونه وألوانه. ثمة صراطٌ مستقيم ما إن تحيد عنه تصبح طفلاً صغيراً خارجاً عن قانون المملكة الصفّيّة ومستباحاً.

الطلبة الذين يكونون على سبيل المثال كثيري الحركة بطبيعتهم، يتم قمعهم بطريقة عنفية بدل البحث عن سبل لتفريغ طاقاتهم، عادة ما يسجل المُدرّس ضمن تقييمه للطالب في خانة السلبيات: كثير الحركة

التعليم في سوريا الوريث الشرعي لنظام الكُتّاب

رغم كل الرتوش والتعديلات التي طرأت على نظام التعليم، فإنه ما زال في أسلوبه التربوي الوريث الشرعي لنظام الكُتّاب، وليس أدلّ على ذلك من أن الحفظ البصمي ومبدأ الثواب والعقاب هما أساس التعليم، فغالباً ما يُطلب من الطالب حفظ المعلومات عن ظهر قلبٍ، دون أن تروق له، ودون أن يستمتع بها، ودون أن يدرك مغزى تعلّمها في معظم الأحيان، وعليه أن ينجح في تفريغ ما في جعبته أثناء تسميع المدرس، أو في المذاكرات والامتحانات.

فإن نجح في المهمة أُغدِق عليه مدح وثناء مغالىً به: “شاطر، بطل، ثابر إلى الأمام، ذكي، متفوق الخ..”، وإن فشل وُصِم بكل الألفاظ: “حيوان، بهيم، غبي، تيس، مخ سميك”، يحوّل هذا النمط الطالب إلى شخصٍ لا يستمتع بالتعليم بقدر ما يستمتع بنيل رضا الأب البَطْرَك (المُدرِّس أو المُدرِّسَة)، ويسعى لاتقاء مصير الطلبة الآخرين، تحوّل هذه العملية الطالب إلى حيوانٍ صغير مدجن لا يبني قيمةً نابعة من ذاته، بل يتعلم أن يستمد قيمته من رضا السلطة عنه.

ذلك أن الحيوان المدجّن يقوم بأي شيء استرضاءً لصاحبه كي يطعمه ويحنو عليه، كما أن هذا التحول بين الثناء والمديح المُبالغ به إلى العقاب المفرط يخلق مشكلتين:

أولاً: لا بد أن يكون المديح على صلة بمهارات الطالب وغير مغالىَ به (وهو أمر تلقي بثقلها عليه الثقافة السائدة، إذْ تميل اللغة اليومية إلى المبالغة الشديدة والتهويل سواءً بالسلب أو بالإيجاب)، وثانياً: هذا التحول الفجائي يحطّم شعور الأمن والسلامة لدى الطفل، فمن أهم شروط الأمن والسلامة ثباتهما النسبيّ، وهذا النَوَسان بين حالة الحنان الشديد وحالة العنف المفرط (ولو كان لفظياً) يكوّن الأساس في بناء شخصيات قلقة وعصابية وكارهة لذاتها، وكارهة لعملية التعلم وإن بشكلٍ غير واعٍ.

أساس تفتح قدرات الطفل وانطلاق شخصيته هو الحب

فالقاعدة التي تقول أن أساس تفتح قدرات الطفل وانطلاق شخصيته هو الحب غير المشروط باتت بديهيّة في السيكولوجيا، هذه النقطة آنفة الذكر تشترك فيها العائلة مع المدرسة، فالوالدان غالباً ما يسيرون بنفس الطريقة في التعامل مع أبنائهم وإن اختلفت درجة العنف، فالقاعدة أن الحبّ يبقى مشروطاً (على الأقل في إظهاره للطفل)، فكثيراً ما تسمع من بعض الأشخاص أن والديهما كانا متحرّرين ومتفهّمين، لكن بمجرد أن تدقق تجد أن المبدأ هو الحب المشروط، فهو مشروط بالتزام قواعد الوالدين الأساسية، وقلة قليلة من الآباء والأمهات تحترم خيارات أبنائها حتى النهاية، بل إن قلة منهم يهيئونهم لبناء قراراتهم بأنفسهم، هذه النقطة هي حجر الأساس في بناء إنسان حرّ: قدرته على اتخاذ قراراته.

أفضّلُ مقاربةَ العملية التعليمية في سوريا تقوم على مقاربتها بوصفها تعبيراً مركّزاً عن المنظومة الأبوية السائدة في الأسرة والمجتمع، وانعكاساً لنظرة النظام السياسي القائم إلى ما يعتبرهم رعاياه من المواطنين السوريين.

وتمتد العملية التربوية القائمة على الحفظ البصمي دون إدراك الفائدة حتى إلى دروس الرياضة التي نظرياً تبدو شيئاً عملياً ولا يحتاج إلى جهد لكي يستمتع الطلبة به، فمن المفروض أن الهدف من الحصة الرياضية هو تعليم الطلبة مجموعة تمارين مفيدة تقوّي صحتهم، وتغرز فيهم حبّ الرياضة، وتدفعهم إلى اكتشاف مواهبهم الرياضية وتوجيهها، يتوجه معظم الطلبة إلى كرة القدم والسلة بشكل عفوي، أما التمارين الرياضية التي تتم بطريقة إجبارية دون متعة، فلا يمارسها الطلاب إلا بالإجبار والتهديد، ولا تصبح عادة يومية تبقى معهم طيلة حياتهم كما هو مفترض.

المدرسة صورة مصغرة عن المجتمع وعن النظام السياسي

المسألة الأخرى التي تبدو فيها المدرسة صورة مصغرة عن المجتمع وعن النظام السياسي، تتجلّى في التعامل مع الطلبة كأنهم قطيع لا مكان فيه للتمايزات الفردية، هناك صورة للطالب/ة المثالي المجد، المؤدب، قليل الحركة، النظيف والمرتّب دائماً، مقابل الطالب/ة الكسول والخارج عن هذه الصورة، أما الطلبة الذين يكونون على سبيل المثال كثيري الحركة بطبيعتهم، يتم قمعهم بطريقة عنفية بدل البحث عن سبل لتفريغ طاقاتهم، وغالباً ما يسجل المُدرّس ضمن تقييمه للطالب في خانة السلبيات: كثير الحركة! هذا ناهيك عن أن الطلبة الذي لديهم حالات خاصة كالتوحّد، والصعوبات التعليمية الأخرى يعانون الأمرّين حتى يتم تشخيص حالتهم، وفي حالات أخرى يكون هناك طلبة أذكياء متقدي الذهن لكن هذه المنظومة تدفعهم لكره التعلّم وقتل طاقاتهم.

إن الحديث عن المنظومة التعليمية، حديث يطول، وله جوانب أخرى كثيرة بنيويّة واجتماعيّة وسياسية، لكن من الثابت أن هذا الشكل القائم عدا عن الضعف العلمي فيه، يُخرّج أجيالاً جديدة لا تقتل آباءها معرفياً ولا تتجاوزهم، بل تبقى تحمل على كاهلها آباءها وتخطو منحنية الظهر عرجاء، في عالم متسارع ديناميكي لم تعد فيه ثقافة: حفظان الدرس، تجدي في شيء، إلا التقوقع على الذات وتصديق أوهامها، وتأبيد ما هو قائم.


عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مقيم في إسطنبول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.