التعليم العالي في “المناطق المحررة” بين الواقع والمأمول

اليوم بعد مضي هذه الفترة على تجربة التعليم العالي، السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أين وصلت هذه التجربة؟ ما لها وما عليها؟ خصوصا وأن الطلاب على أبواب عام دراسي جديد، وهم ينتظرون صدور المفاضلة لمعظم الجامعات التي ذكرناها.

الأيام السورية؛ بدر حسين

خمس سنوات مرت على تجربة التعليم العالي في “المناطق المحررة” بعد افتتاح أكثر من عشر جامعات بين عامة وخاصة، واستطاعت هذه الجامعات استيعاب عشرات الآلاف من الطلاب بالإضافة إلى ذلك استيعابها عشرات الألاف من الناجحين في امتحانات الثانويات العامة الصادرة عن الحكومة السورية المؤقتة.

وكذلك الأمر منحت المنقطعين عن متابعة تعليمهم الجامعي، بسبب عدم قدرتهم على الدراسة في جامعات النظام الرسمية، بسبب مشاركتهم في الحراك الثوري، فرصة متابعة تحصيلهم العلمي.

جامعات خاصة وعامة

تصنف الجامعات في “المناطق المحررة” بين جامعات عامة، مثل جامعة إدلب، وجامعة حلب الحرة، وجامعة الشام، وبين جامعات خاصة؛ كجامعة ماري، وجامعة الحياة للعلوم الطبية، وأكاديمية العلوم الصحية، وجامعة الزهراء، وجامعة روما، والأكاديمية السورية للطاقة البديلة والعلوم، وجامعة الشمال الخاصة، وجامعة النهضة، وجامعة باشاك شهير التي حصلت على اعتراف من جامعة اليرموك الأردنية.

يضاف إليها عدة أفرع لجامعات تركية في الشمال السوري، كأفرع جامعة غازي عينتاب في مدينة عفرين وفيها اختصاصات؛ كلية التربية، وفي مدينة أعزاز قسم الإلهيات، وفي مدينة الباب اختصاصات، الاقتصاد والتجارة الدولية وإدارة الأعمال، وجامعة عينتاب هي الوحيدة التي تحمل اعتراف دولي، وهي حكومية تابعة للدولة التركية.

أين وصل التعليم العالي في “المناطق المحررة”؟

اليوم بعد مضي هذه الفترة على تجربة التعليم العالي، السؤال الذي يطرح نفسه، إلى أين وصلت هذه التجربة؟ ما لها وما عليها؟ خصوصا وأن الطلاب على أبواب عام دراسي جديد، وهم ينتظرون صدور المفاضلة لمعظم الجامعات التي ذكرناها.

وفي السياق؛ قال الدكتور عبد القادر رشواني عميد كلية الهندسة في جامعة الشام العالمية، “يواجه التعليم العالي في “المناطق المحررة” ضعفا في الهيكلية التنظيمية ابتداء من مجلس التعليم العالي مرورا بالوزارة وصولا بالأنظمة الداخلية للجامعات، بالإضافة إلى ضعف الامكانيات المادية لوزارة التعليم العالي والجامعات، أضف إلى ذلك ضعف في الخبرات الوطنية، كونها قليلة، وبعضها يحتاج رفع كفاءة، وكذلك لعدم تواجد آلية لتقييم الأداء”.

واقع الجامعات

عن واقع الجامعات التي تعمل في “المناطق المحررة” أشار رشواني؛ إلى أن الجامعات في الداخل السوري تنقسم الى نوعين، الأول همه خدمة الطالب والكوادر والمجتمع، والصنف الأخر لا يهتم سوى بجمع المال.

الأولى تسعى الى تحسين جودة التعليم من خلال المناهج الدراسية، والهيكلية الإدارية، ونوعية المدرسين، والرقابة عليهم ومتابعتهم، وهؤلاء جاهزون لأي جهة خارجية تقدم لهم التسهيلات للاعتراف.

والنوع الثاني من الجامعات، غير مكترث لذلك، همه المال وفقط، لو كانت الأمور الإدارية، وتفعيل الوزارات المختصة في “المناطق المحررة” مضبوطة، فأغلبهم مهدد بالإغلاق.

قاعة درسية في جامعية الشام العالمية(مراسل الأيام)

الكادر التدريسي

عن مستوى الكادر التدريسي بين رشواني، أنه بالعموم جيد، لكن يجب أن يكون هناك استقرار أمني، وتوفير للاحتياجات المادية، كي يكون مردود الكادر التدريسي جيد، وتعمل الجامعات على رفع مستواها من خلال تطوير آلية عملها بالاستعانة من الخبرات المحلية والأجنبية.

صعوبات تجربة التعليم العالي

أكد رشواني، أن تجربة التعليم العالي تواجه صعوبات ليست بالسهلة، أهمها عدم الاستقرار الأمني والمادي وكذلك عدم القدرة على تحصيل الاعتراف، إضافة إلى تفاوت مستويات الطلاب التي تدخل الجامعة، وللأسف أغلبهم ليسوا ضمن المستوى المطلوب بسبب ضعف التعليم ما قبل الجامعي، ولأن الدراسة بحد ذاتها لم تعد أولوية لدى الطلاب، خصوصاً في ظل الضغوط المادية للعائلة مما يضطر الشباب للعمل ومساعدة الأهل والعزوف عن الدراسة أو العمل مع الدراسة مما يؤثر على تحصيله العلمي.

وأضاف رشواني، أن النزوح المتكرر بسبب العمليات العسكرية ساهم في خلق اضطراب في عمل الجامعات، من إيقاف التعليم لفترات متقطعة مما يسبب إزاحة للبرنامج الأكاديمي، أو تأجيل الامتحانات، وهذ الأمور تؤثر على مستوى العملية التعليمية.

الإيجابيات في عملية التعليم العالي

في السياق ذاته؛ أوضح الدكتور مصعب شبيب، أكاديمي ومحاضر، أنه وخلال السنوات الخمس المنصرمة، كانت منعكسات الحرب واضحة وجلية على التعليم العالي، وبالرغم من ذلك فقد حقق التعليم العالي منجزات هامة تُعتبر من الإيجابيات التي يجب ألا تغيب عن أذهاننا، منها:

أولا: اتاحة الفرصة للشباب السوري على متابعة تحصيله العلمي رغم ظروف الحصار وصعوبة إكمال التعليم في الخارج.

ثانيا: إفساح المجال للكفاءات العلمية أن تتابع نشاطها العلمي في سوريا وعدم مغادرة البلاد، بل والقدرة على استقطاب الكثير من الكفاءات العلمية السورية من خارج البلاد.

ثالثا: قدرة بعض الجامعات على إجراء البحوث والاختبارات العلمية والعملية التي أدت لإجراء ارتباط وثيق مع احتياجات السوق والمؤسسات والمنظمات العاملة في الداخل السوري.

رابعا: القدرة على تطوير الخطط والمناهج الدراسية بما يتوافق مع متطلبات الاعتراف الدولية.

صعوبات عملية التعليم العالي

وأكد شبيب أن التعليم العالي كمنظومة تتأثر بالظروف الموضوعية الداخلية والخارجية ومنعكسات الحرب، فقد واجهت التعليم العالي صعوبات كبيرة لا تزال عائقاً أمام عجلة التطوير، نذكر منها: ضعف الدعم والموارد المالية نتيجة للظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها المنطقة بالإضافة إلى ضعف في البيئة البحثية والمخبرية نتيجة لقلة الموارد المالية من جهة، وقلة الكوادر العلمية باختصاصات دقيقة.

وبين شبيب أن قضية الاعتراف التي أصبحت مشكلة ملحة في ظل الحاجة إلى فرص عمل خارج البلاد لدى كثير من الطلاب، مما جعل الكثير منهم يفقدون عامل الحماس في متابعة تحصيلهم العلمي. كما أن ضعف التنسيق بين الجامعات بسبب عدم وجود هيئة علمية واحدة تشرف على منظومة التعليم العالي يعتبر تحدي كبير يواجه التعليم العالي.

وأنهى شبيب حديثه ونتيجة للظروف الاقتصادية والاجتماعية السيئة فقد أصبح الكثير من الاختصاصات العلمية في ذيل الاهتمام على المستوى الشعبي نتيجة لربط الاختصاص بتوفر فرصة العمل على المدى القريب.

طلاب جامعيون أثناء الامتحان في جامعة الشام العالمية(مراسل الأيام)

بنى تحتية ضعيفة وإمكانيات مادية ضعيفة

أما الدكتور راسم إبيش، محاضر في جامعة غازي عينتاب التركية في الداخل السوري، تحدث للأيام السورية عن واقع التعليم العالي قائلا: بدأت تجربة التعليم العالي في عام 2015 بافتتاح عدد من الجامعات، التي بدأت مشوارها باستقبال الطلاب المنقطعين عن الدراسة في جامعات النظام، وكذلك استقبال خريجي الثانويات العامة.

كل ذلك كان بإمكانيات بسيطة من بنى تحتية وكوادر وإمكانيات مادية، إلى جانب ذلك تعرضت معظم الجامعات إلى قصف من قبل قوات النظام ومضايقات وغيرها من التعديات من جانب النظام، ورغم كل ذلك إلا أن الجامعات استطاعت أن تتطور وتتجاوز الكثير من الصعوبات التي كانت تعاني منها، وتجاوزت هذه المرحلة، وبدأت بعض الجامعات كجامعة الشام العالمية، وجامعة حلب الحرة، وجامعة ادلب، بتخريج الدفعة الثانية من الطلاب، الذين استطاع بعضهم دخول سوق العمل.

لا دعم في مجال التعليم العالي والبحث العلمي

تابع إبيش كلامه قائلا، هذا لا يعني أن وضع الجامعات والتعليم العالي في هذه المرحلة، جيد بشكل عام، فهو ما يزال يعاني من نقص في التمويل نتيجة توجه الداعمين والمنظمات نحو الجانب الإغاثي والإنساني والمجتمعي، حيث تتجاهل المنظمات تقديم أي دعم في مجال التعليم العالي والبحث العلمي والجامعات، لذلك فالجامعات تعمل اليوم بالطاقة الدنيا التي تمكنها من العمل والاستمرار.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.