التعبير الجميل للمرأة عن الغضب ليس شعوراً سلبياً بل بوابة تقود نحو التغيير

ماذا لو لم تنقطع صلة الغضب بالأنوثة؟ ماذا لو فكرنا في تطوير الكفاءة العاطفية للصبيان؟ وهل الغضب دائما شعور سيء ومكروه؟ ألا يمكن أن تبادر المرأة إلى تحويل غضبها من مرحلة الإحباط إلى مرحلة التحرك والعمل؟

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

في إحدى جلساتنا الصباحية في مقهى القصر العدلي بحلب، علقت إحدى صديقاتي على حديث قصير ختمتُ به لقاءنا ونهضت لأتابع عملي، لم يكن تعليقها على المضمون بل عن الأسلوب (صوت هادئ منخفض التون، مفعم بالأنوثة يصل للقلب دون حواجز). لا أُنكر أعجبني الإطراء، فهذه فعلاً إحدى مقاييس الأنوثة في أغلب المجتمعات.

خطأ تربوي

لابنتي طبقة صوت مرتفعة منذ الطفولة، وكنت باستمرار أطلب منها أن تخفض صوتها ـ بطبعي لا أحب الصوت العالي ـ عندما كبِرَت قليلاً صرت أشجعها على التحدث بصوت منخفض، ولتشجيعها أكثر عمدت إلى استفزاز مشاعرها الأنثوية، بالربط بين الصوت الهادئ والجمال الأنثوي. ترافق ذلك مع محاولاتي المستمرة كي تضبط ثورات الغضب، واحتوائها لنفسها ولغضب الآخر.

تعاملت معها وكأنها حكيمة عصرها، التي عليها استيعاب كل حماقات وقبح المحيط بهدوء واتزان؛ وعليها تحييد مشاعرها، لتكون آلة صماء كروبوت تمتص الاستفزاز أو الغضب والصراخ. ولأننا مبرمجون اجتماعياً أوهمتها بأن الغضب تعبير أنثوي مشوه ووقح، لا يليق بفتاة؛ رغم أني في سنها كنت متمردة.

اعتراف متأخر

أعترف بأني، وهو حال الكثير من النسوة، نعارض ذكورية المجتمع وننتقد ونرفض النظام الأبوي، بالوقت نفسه نكون بمثابة جسر عبور للأبوية والحفاظ عليها، عندما نتبنى معايير المجتمع الأبوي التي ترسخ العاطفة والحزن في بنيوية المرأة وتدين المرأة التي تعبر عن غضبها وتعتبره وقاحة لا تليق بالنساء، وترفض ذات الصفة في الرجل وتعتبرها تُعيب شخصيته، وبالمقابل تحترم غضب الصبي والرجل وعنفه وتعتبره شجاعة وثقة بالنفس. في حين الحزن والفرح والغضب والخوف مشاعر إنسانية عامة ومبررة لا ترتبط بأنوثة أو ذكورة. يشعر بها البشر أطفال وبالغين، نساء ورجال.

البكاء.. وسيلة التعبير المسموح بها

مراعاة لقيم المجتمع، تداري المرأة غضبها وتوجهه إلى الداخل وتبحث وبنات جنسها عن طريقة لإلقاء اللوم على أنفسهن. يحدث هذا منذ المراحل المبكرة من العمر، عندما تلقَّن بأن عليها إخفاء غضبها وتجاوز الإهانة والتنازل عن كرامتها وأن تحسب حساب الغير ومشاعره قبل نفسها، ردة فعل الفتيات والنساء الطبيعية المسموح بها (أحياناً) بحالة الاستفزاز أو الإساءة، هي البكاء، وبه يمكن أن يحصلن على التعاطف من المحيط أو المتابعين إن تعلق الأمر بالفضاء العام. فهذا الأمر مسموح ومرحب به. يكفي النساء هذا القدر من التعبير!

التغيرات الفيزيولوجية التي يسببها الغضب المكبوت

تراكم تلك المشاعر ستصل إلى لحظة غضب شديد لا يمكن إخماده، كحالة امرأة ترمي كل ما تطاله يدها، وقد يكون إنهاء علاقة. وبسبب تحمل الإساءة بشكل متكرر والتجمل حفاظاً على مظهر المرأة الفائق التهذيب. لكن هذا التشييء للذات، يُفقد المرأة القدرة على التعرف على التغيرات الفيزيولوجية التي يسببها الغضب المكبوت، الأمر الذي يعرض النساء للعديد من الأمراض بشكل أكبر من الرجال، كالألم المزمن واضطرابات المناعة الذاتية واضطرابات الأكل، وأيضاً أمراض نفسية كالقلق والاكتئاب.

صورة تعبيرية(صحيفة العرب)

لا اختلافات كبيرة في درجات الغضب بين الرجال والنساء

دراسة قام بها البروفيسور ريموند ديجيوسيبي رئيس قسم علم النفس بجامعة سانت جون في نيويورك إجراء الاستطلاع على 1300 شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و90 عاماً كشفت الدراسة عن ثلاثة جذور مشتركة للغضب، وهي العجز والظلم وعدم شعور الآخرين بالمسؤولية، كما وجد أن الاختلافات في درجات الغضب الإجمالية بين الرجال والنساء لم تكن كبيرة، إلا أنه وجد اختلافات في طريقة تعاملهم مع الغضب، بسبب عدم تعبير  النساء عن مشاعرهن يصبن بنوبات غضب أطول ويلجأن في حالات كثيرة إلى “شطب” عدد أكبر من الناس، بقصد عدم التحدث إليهم مرة أخرى.

أما أغلب الرجال فقد ذكروا بأن غضب زوجاتهم هو نوع من الأنانية. أي أنهم لا يتعاطفون مع شعور نسائهم بالقهر، وبدل محاولة تفهم السبب الذي يدفع الزوجة إلى الغضب كنوع من التعبير عن حاجات تفتقدها، فإن الرجل يسخر منها. ولا يصغي بجدية لما تود أن تقوله له، فكلماتها لا قيمة لها وهو يستهين بها ولا يتوقف عندها.

الغضب شعور مفيد

تتساءل الكاتبة ثُريا شمالي، مؤلفة كتابRage becomes her”، قوة غضب النساء”، ماذا لو لم تنقطع صلة الغضب بالأنوثة؟ ماذا لو فكرنا في تطوير الكفاءة العاطفية للصبيان؟

تخلص الكاتبة إلى نتيجة وهي أن الغضب شعور مفيد، يحدث حين تشعر المرأة بالنقمة أن تسكت وتنطوي على نفسها بدون أن تبحث عن حلول. ويحدث في حالات أخرى أن تبادر المرأة إلى تحويل غضبها من مرحلة الإحباط إلى مرحلة التحرك والعمل. وتلجأ هنا إلى قريباتها وصديقاتها لكي تتبادل معهن أحاسيسها وتجد لديهن أحاسيس مماثلة. هنا يمكن لها أن تعثر على نصيرات وأن تفخر بمشاعرها لا أن تخجل منها. وهذا يمنحها نوعاً من الراحة والرضا.

إن المجتمع يشجع البنات، عموماً على البقاء سلبيات إزاء العديد من القضايا. في حين أن الغضب ليس شعوراً سلبياً ويجب ألا يكون. لأنه الشعور الذي يقود إلى التغيير. وما هبًّة النساء في أمريكا وفي العالم كله ضد الاستغلال والتحرش سوى التعبير الجميل عن الغضب الذي تراكم من قبل. لقد نطقن واعترضن بشكل إيجابي يخدم وجودهن في المجتمع ويمنحهن حقوقهن بعد أن التزمن السكوت السلبي الذي أضر بنفسياتهن وسلبهن كرامتهن.

مصدر (ثريا شمالي، قوة غضب النساء) (تحت الضوء)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.