التعايش -د. هشام رزوق

أن تعيش مطمئن البال آمنا إلى جانب جارك، في حيك، في قريتك، في بلدتك أو مدينتك، فتلك نعمة لا تقدر بثمن، وشرط أساسي من شروط استمرارية الحياة لأنه يوفر الظرف المناسب للإنتاج الفكري والاقتصادي وتبادل الخبرات والسلع وبناء حياة اجتماعية متقدمة.
دور الحكومات في كل دول العالم هو بالدرجة الأولى توفير وحماية السلم الأهلي، حماية المواطنين وأمنهم الشخصي وحماية ممتلكاتهم، وحين تفشل أي حكومة في هذا المجال الحيوي فإنها تسقط بشكل أوتوماتيكي، أو من خلال انتخابات يقول فيها المواطنون رأيهم بمن يحكمهم.
ودور الحكومات أيضا يتمثل بحماية حدود الوطن من الغزو الخارجي ومن التدخلات الأجنبية، وأن تمتلك لقرارها المستقل النابع من مصلحة شعبها والدفاع عن أمنه واستقراره، وحين تفشل في هذا المضمار، فإنها تكون مجبرة على الرحيل تحت ضغط الشارع والرأي العام تاركة مقاليد الأمور لمن هو أكفأ وأجدر بالحكم وحماية البلاد والعباد.
الحكومات التي يقودها أناس حكماء وطنيون مخلصون يحرصون كل الحرص على أن تتعايش كل مكونات المجتمع مهما كانت أصولهم الإثنية أو الدينية بتناغم وانسجام تحت راية القانون دون أن تفرض هيمنة أكثرية دينية أو قومية على أقلية رأيها وثقافتها ونظرتها، بل تستفيد من ثقافة وخبرة جميع المكونات.
حدثني صديق يعيش في استراليا منذ أكثر من أربعة عقود كيف تتعايش مكونات المجتمع هناك رغم تنوعها، فيقول أن في أستراليا أكثر من أربعين ” أقلية ” لها أصولها القومية والدينية والمذهبية والثقافية المختلفة. الدولة أمنت مترجمين لأربعين أقلية لغوية في كل المدن، وكل أقلية تحتفل بأعيادها الدينية ومناسباتها الخاصة بها وتمارس طقوسها بكل حرية.
ذات يوم ـ يضيف الصديق ـ دعت وزيرة الثقافة الأسترالية ممثلين عن الأقليات لإحياء يوم يجتمعون فيه على أن تحضر كل أقلية وجبة طعام من تراثها. كان هناك أربعون وجبة مختلفة من الطعام، من الهندي إلى الصيني إلى العربي بمختلف بلدانه إلى الإفريقي واللاتيني والأوربي وغيره. بدأت الوزيرة الحفل بتدوق كل وجبة على حده وأعجبت بذلك التنوع الفريد من المأكولات التي كان لكل نوع منها نكهته الخاصة ومذاقه اللذيذ، وفي موقف غريب طلبت من أحد مرافقيها أن يأخذ صحنا كبيرا ويضع فيه قليلا من كل وجبة من الوجبات الأربعين، ففعل، طلبت منه أن يخلط كل هذه الوجبات ببعضها ففعل، طلبت من أحد الحاضرين أن يأكل لقمة من هذا الخليط. كان المذاق غريبا ولا يمكن قبوله. علقت الوزيرة بالقول: إن ثراء أستراليا هو بتنوع سكانها بما يحملونه من تنوع ثقافي وحضاري وعادات وتقاليد وأفكار وتعايش وانسجام تحت ظل القانون الذي يحمي الجميع، وأن محاولة إذابة الأقليات في بوتقة واحدة لا يمكن أن يثمرعن شيء إيجابي ومقبول.
أين نحن من فكرة التعايش في سورية الآن؟ ماذا بقي من التعايش بين المسلمين في سورية؟ بين السنة بمختلف تياراتهم؟ بين السنة والعلويين؟ بين العلويين أنفسهم؟ ماذا بقي من التعايش بين العرب والأكراد؟ بين الأكراد بعضهم البعض؟ إن لم يكن لنظام الأسد من جريمة ارتكبها، فإن إيصاله للمجتمع السوري إلى هذه الدرجة من التفكك بما ارتكبه من مجازر وحماقات باسم طائفته، لهي جريمة كبرى لا يمكن أن تغفرله ويستحق عليها لعنة الحاضر والمستقبل والأجيال القادمة.
د. هشام رزوق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.