الترف السوري في أعلى درجاته.. نظام الأسد و”الكاجو”

خرج القرار جارحاً لشعبٍ لا يستطيع تأمين قوته اليومي من الخبز، الذي دخل خطة “التقنين” بتحديد عدد الأرغفة لكل فرد في البلاد، فكيف تحدثه عما يسمى “المكسرات”، التكسير الوحيد الذي يعرفه السوريون هو ما يمارسه النظام على كرامتهم ومستقبل أبنائهم ومصيرهم وحياتهم البائسة، إضافة إلى كسر الأعناق.

ِشمس الحسيني

يخرج النظام بين فترة وأخرى بقرارات تستفز السوريين وتزيد من حنقهم وغضبهم، في محاولات تثير السخرية لإثبات انفصاله عن الواقع بشكل مثير للاشمئزاز، وذلك ضمن صيغة “لغوية” تبدو وكأنها غاية في الجدية.

منعت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة “نظام الأسد” استيراد 20 مادة لمدة ستة أشهر، من بينها بعض المواد الغذائية التي لا تتوفر أساساً في الأسواق وإن كانت متوفرة لا يمكن شرائها بسبب أسعارها الخيالية، مما شكل صدمة للسوريين بعد انتشار الخبر.

من المواد الغذائية، منع القرار استيراد جبنة “الشيدر”، الجوز، اللوز، الكاجو، الزبيب، والتمر، بدايةً مع النظر إلى هذه الأغذية فنصفها تنتجه سوريا بكميات كبيرة ومن الغريب أن يكتشف السوري الآن أنها كانت مستوردة، وهنا نشير إلى اللوز والجوز والزبيب.

أما جبنة الشيدر والكاجو والتمر فهذه المواد الغذائية لطالما اعتُبرت في سوريا من الرفاهيات ولم تكن متوفرة في المنازل قبل قيام الثورة السورية والحرب الشرسة التي شنها بشار الأسد ودمرت الاقتصاد السوري، قبل ذلك لم نكن نعرف “الكاجو” في موائدنا، فلمن كان يستورده النظام، لحاشيته المخملية ومجموعة القتلة الذين يوظفهم في معاقله ومعتقلاته!

خرج القرار جارحاً لشعبٍ لا يستطيع تأمين قوته اليومي من الخبز، الذي دخل خطة “التقنين” بتحديد عدد الأرغفة لكل فرد في البلاد، فكيف تحدثه عما يسمى “المكسرات”، التكسير الوحيد الذي يعرفه السوريون هو ما يمارسه النظام على كرامتهم ومستقبل أبنائهم ومصيرهم وحياتهم البائسة، إضافة إلى كسر الأعناق.

وبحسب تصريحات النظام جاء القرار استجابة لتوصية اقترحتها اللجنة الاقتصادية بمجلس الوزراء التابع للنظام في 11 آب الحالي، بناءً على طلب “مصرف سوريا المركزي”، بتخفيض قيمة فاتورة المستوردات الوطنية الإجمالية، “ووفق الأولويات المُعتمدة” بمقدار القيمة المطلوب تأمينها من قبله لتمويل مستوردات القمح خلال الفترة المقبلة من العام الحالي، بهذه الصياغة “اللغوية” المهذبة والتي توحي بقلق النظام على الشعب صدر القرار، أما عن تفسير الأولويات المعتمدة فلا بد أن أولها الأسلحة الفتاكة، وليس القمح، الأسلحة التي كلفت النظام ما لا يستطيع البوح به؛ وجعلته عبداً لروسيا وإيران، ولكنها أولوياته بالطبع، فدونها كيف ينفذ جرائمه ضد الشعب السوري، كيف سيقصف المدن ويفجر المنازل، ويحاصر الأطفال؟ فدون تلك الأسلحة لما استطاع الانتصار “عسكرياً” على إرادة شعبٍ حر انتفض في وجه الطاغية، تلك الأسلحة التي أطالت فترة سلطته غير الشرعية “حتى الآن” لكنها لن تستطيع إبقاءه للأبد، فحتى روسيا التي تدعمه باتت تبدي تخبطاً في موقفها وتعقد الصفقات هنا وهناك بحثاً عن مخرج لها من مستنقع الحرب الذي تورطت فيه، وتسعى لتحويل المسار نحو حل سياسي يعيد “شرعية الأسد” لكن حتى هذا الأمر الذي مالت له بعض الدول وبتنا نرى التطبيع مع النظام يصدر من اتجاهات عدة، لن ينقذه من التشرذم الداخلي الحادث في “مؤسساته” التي حولها إلى مجموعة من العصابات، قبل الثورة السورية، ولكن بشكل أكثر صراحة ووضوحاً بعد اندلاع الثورة، فكيف لهذه العصابات أن تستمر في حكم البلاد بينما تنهش بعضها بعضاً من الداخل.

في خدعته المزيفة يدعي أن الاستيراد يجب أن يكون محصوراً في الضروريات فقط والتركيز على الأولويات، لماذا إذاً لا تعتبر الأدوية من الأولويات، مئات من أنواع الأدوية وبعضها الخاص بالأمراض الخطرة جداً “كالسرطان” مفقود في سوريا، لأن الأولويات لا تشمل علاج الأفراد بل على العكس تسعى إلى قتلهم لا أكثر، ويتبجح بوقاحته “المفاجئة” بالفعل، بالرغم من أنها متوقعة، بأن استيراد بعض الأغذية يكلفه فوق طاقته! 

ولم يقتصر القرار على إيقاف استيراد بعض الأغذية بل تضمنت القائمة الهواتف وإكسسوارات الأجهزة المحمولة، ومكبرات الصوت، وعدادات النقود، وأجهزة التبريد المنزلية (المكيفات)، وأجهزة العلاج الفيزيائي.

وليس من المفاجئ أن يعتبر كل ما سبق من “الرفاهيات” غير الضرورية في سوريا، فلا بد من أدلجة السوريين على أن الحياة البدائية هي كل ما يحتاجه المواطن، لا داعٍ لأجهزة التبريد في بلد لا تتوفر فيها الكهرباء أصلاً، أما عن أجهزة العلاج الفيزيائي فحالها حال الأدوية المفقودة، هل يقدم الجزار علاجاً لضحيته؟!

والهواتف لا تستخدم أساساً في الداخل السوري سوى لتزيين صورة النظام بانتصاراته “على شعبه” ونفاق مؤيديه ونشر صور الرئيس النهم يلتهم “الشاورما” وسط حشد من شعبه الجائع.

كما مُنع استيراد المواسير والأنابيب المعدنية، وحديد الزوايا، السيراميك الموزاييك، البلاط، أحجار النصب والبناء، الغرانيت الطبيعي.

تمتثل أمام أعيننا هنا بلاد تعج بالقصور المزينة، وشعب يحتار في اختيار أنواع البلاط والسيراميك الفاخر لبناء المنازل، بعيداً عن المدن المدمرة والتي هدمت فيها البيوت فوق رؤوس قاطنيها.

وكذلك مُنع استيراد باصات وميكروباصات للمؤسسات التعليمية والقطاع الحكومي، الزيوت والشحوم المعدنية للسيارات والآليات (المنتج محليًا)، والسيارات السياحية والفانات والمكيروباصات للقطاع العام، أما عن هذا الجانب فالبلاد تعاني من نقصٍ حاد في المحروقات فلا بنزين ولا مازوت لتشغيل هذه الآليات، يمكن أن يعتمد السوريون ركوب الخيل أو الجمال للتنقل بين منازلهم والعمل الذي ينفقون فيه أعمارهم مقابل “راتب” شهري لا يكفيهم لإطعام أطفالهم.

وهذا كله مع أن الصناعة في سوريا متوقفة كلياً، مما يعني أن منع استيراد كل هذه المواد سوف يفضي إلى أمرين الأول احتكار التجار للمخزون المتوفر لديهم من هذه المواد ورفع أسعارها بشكل خيالي “أكثر مما هو الآن” والثاني فقد هذه المواد من الأسواق مع مرور الوقت وبالتالي مزيد من الشلل في مفاصل الحياة اليومية للسوريين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.