التحرّش خطوة الاغتصاب الأولى.. مفهوم مغاير عن السائد الثقافي والقانوني

بعيداً عن التعريف الاصطلاحي والمؤسساتي العلمي، ما هو التحرش بمعناه الجوهري؟ ما الذي يقف خلف هذا السلوك كحقيقة بيولوجية، قبل أن يتم تمرين الإنسان على قانون الاحترام في المجتمع؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد تبدو هذه المادة مرفوضة قطعاً من قِبل المجتمعات المدنية أو من قِبل أي شخص يمتلك قليلاً من احترام الحياة أو الاعتراف بحقيقة الكائن الإنساني وخياراته الحرة، وقد يسميها البعض تزييفا لحقيقة الوعي البشري، لكن قبل إطلاق الحكم عليها دعوني أشرح وجهة النظر هذه، وأقف عندها بحيادية تامة، رغم أني شخصياً، غير موافق عليها أبداً كسلوك؛ لكنها أمر ضروري لفهم سلوك التحرش كتمهيد لقناعات اغتصابية في الذهن غير قادرة على الخروج نتيجة القانون الاجتماعي والثقافي والمؤسساتي.

يتمّ تعريف التحرش بأنّه أي فعل غير مرحّب به من النوع النفسي أو الجنسي أو اللفظي أو الجسدي الذي يقوم به شخص، بغض النظر عن طبيعته الجنسية، سواء أكان ذكراً أم أنثى، تجاه شخص آخر؛ إنه انتهاك لتفكير الآخر ورؤاه وجسده والتعدي على خصوصيته، وقد يصل إلى مرحلة الإيذاء المباشر أو خلق تروما لدى الشخص الذي يتم التحرش به. بمعنى أبسط هو سلوك غير أخلاقي أبداً، في المستوى الحضاري الذي يعيش فيه إنسان اليوم.

لكن بعيداً عن التعريف الاصطلاحي والمؤسساتي العلمي، ما هو التحرش بمعناه الجوهري؟ ما الذي يقف خلف هذا السلوك كحقيقة بيولوجية، قبل أن يتم تمرين الإنسان على قانون الاحترام في المجتمع؟
التحرش هو الخطوة الأولى لسلوك الاغتصاب، إنه عملية تفريع الذهنية المكبوتة جنسياً تجاه الآخر، إنه عملية إحساس عميق بفرض السلطة الجنسية دون خضوعها لقانون يهذّب السلوك البيولوجي في مجتمعات القانون؛ وعليه يكون التحرش سلوكا اغتصابيا لخائف من القانون، إنه تعبير حقيقي عن النزعة البيولوجية.

عندما نلاحظ شخصاً يقوم بقذف كلمات تجاه كائن ما أو يتم التماس معه بحركات معينة في أماكن ازدحام أو حافلات.. الخ، فهذا هو التحرش بمعناه الأصيل، لكنه كمضمون رغبة دفينة بالاختراق، بمعنى آخر التعبير عن قيام سلوك اغتصابي لفرض سيطرة جنسية ذهنية. وفي حالات محددة يصبح في الإمكان، نتيجة ظروف اجتماعية أو عقلية أو تربوية، أن يتطور فعل التحرش ليصبح سلوكاً اغتصابياً واقعياً.

من هنا يمكن لنا فهم أن تعبير التحرش كسلوك تمهيدي لذهنية الاغتصاب يمكن لنا مناقشته بطريقة أخرى وقد تبدو تبريرية، وهي إحدى النظريات التي طرحها العالمان راندي ثورنهيل وكريغ بالمر في كتابهما “التاريخ الطبيعي للاغتصاب”.

يطرح العالمان نظرية مفادها أن الاغتصاب كنتيجة نهائية لسلوك التحرش التمهيدي، ليس انحرافاً أو شذوذاً، إنما هو استراتيجية بديلة لتعزيز الاستمرار الجيني للفرد. يقول العالمان في بحثهما: “يمكن للرجل أن يكون لديه الكثير من الأطفال دون جهد كبير، أما المرأة فلا تحصل إلا على عدد قليل من الأطفال وبعد جهد كبير، ولذلك من الطبيعي أن تكون الإناث أكثر انتقائية بالنسبة للشركاء، وهكذا يُنظر للاغتصاب على أنه استراتيجية محتملة للذكور لتحقيق النجاح الإنجابي”.

في كثير من الدراسات في بيولوجيا الحيوان، تمت ملاحظة الأفعال الاغتصابية الجماعية عند رفض الأنثى التناسل مع كيان محدد كما يجري في عوالم البط والإوز والدلافين والشمبانزي، حيث يتم حصر الأنثى وإخراجها من القطيع، بين مجموعة من الذكور للقيام بفعل الاغتصاب على التوالي.

بالطبع تم توجيه انتقادات كثيرة للنظرية الاجتماعية البيولوجية عن الاغتصاب ومن أشهرها أن المغتصب يقوم بالفعل مع الكيانات الشابة والجذابة جنسياً والقادرات على المقاومة وهي مجازفة حقيقية، بينما تقل النسبة مع المسنين، لكن هذا الانتقاد نفسه رسّخ بطريقة ما نظرية ثورنهيل وبالمر، بأنّ الفتيات هنّ القادرات على الإحساس بالإباضة مما يسهل عملية الاغتصاب نتيجة بيولوجيا الخصوبة والأمر الآخر فرصة التناسل الإنجابي لدى الفتيات كاستراتيجية متطورة لدى الذكر للحفاظ على جيناته من الانقراض.

بمعنى أبسط هناك دراسات ونظريات كثيرة ناقشت مفاهيم الاغتصاب والتحرش والتعدي واستخدام العنف الجنسي واللفظي على أنها أشكال تسود في الصراع الجيني بين الكيانات الأنثوية والذكرية، ورغم أنها مؤلمة في حقيقتها داخل مجتمعات حضارية وتعطي طابعاً بالتبرير لهذه السلوكيات، إلا أننا لا نستطيع رفضها لمجرد أننا نمتلك بعض القوانين التشريعية والأخلاقية والدينية في حياتنا، إن عملية مناقشتها من منظور مختلف والاطلاع عليها أمر مهم وضروري لفهم الحد منها وخلق مجتمعات إنسانية.

وبطبيعة الحال يقول ثورنهيل وبالمر في كتابهما بأن كثير من حالات التحرش والاغتصاب المتطور في المجتمعات هو ناتج عن ترديات ثقافية لخلق الهيمنة والسيطرة ولا علاقة له بالجنس الجيني؛ التحريمات والفرز الجندري وإعطاء أدوار اجتماعية محددة لكل كيان، سيزيد بشكل قطعي النزوع التحرشي والاغتصابي، فكلما علت السيطرة الدينية في ثقافة المجتمع كتحريم تشريعي وعدم اختلاط؛ سيكون هناك نسب أعلى من تلك الظاهرة، ويمكن تلمس الأمر على مستويات مجتمعاتنا كمصر مجتمع كامل أو حتى في سوريا واليمن وليبيا اليوم نتيجة الحروب مما يكون هناك سهولة لعدم الملاحقة القانونية.

أعلم أن فكرة التحرش لدى البعض قد تبدو بعيدة عن فكرة الاغتصاب، لكنها كما قلنا السلوك التمهيدي له، فعدم الحد من التحرش سيؤدي لاحقاً إلى ازدياد فكرة الاغتصاب، ورغم ما قلناه عن طبيعية هذا الفعل وطرح دراسات ونظريات حوله إلا أنه ليس كل ما هو طبيعي هو حتمي، فالزلازل والبراكين والفيضانات هي أمور طبيعية لكن التسليم بها على أنها حتمية أبدية وضرورة يجب أن تكون سائدة هو ضرب من الحماقة. عملية البحث عن تخفيفها هو هدف السلوك الإنساني، والأمر نفسه يقاس على طبيعية الاغتصاب والتحرش، إنه جزء من الطبيعة لكن هذا لا يعني تسيّده الدائم على الوعي البشري.

من المهم فهم أن التحرش كتمهيد للاغتصاب هو سلوك طبيعي يدافع عن الجينات في الكائن الحي، لا لتبرير هذا السلوك بل لخلق رؤية مختلفة كلياً في مناهضته لخلق مجتمع يقوم على احترام البشر وإرادتهم في الحياة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.