التجربة والخوف الشعبي في الفن.. حول مع ساحر أوز العجيب

بغض النظر عن هذا الصراع التاريخي الأدبي المتطور في إعادة إحياء التراث الشعبي داخل فهم إدراكي أعلى وبين سينما تجارية رسّخت التخلف في هذه المسائل وأقنعت مليارات بحقيقة تلك الكائنات الماورائية، تبقى رواية ساحر أوز العجيب عملاً ممتعاً أدبياً مثل أعمال أخرى كثيرة ساهمت في إعلاء شأن التخيّل البشري بطريقة رائعة.

الأيام السورية؛ خالد علوش
ليمان فرانك بام

منذ التهكمية الأدبية التي كانت ثورة حقيقة في الفكر المشرقي، داخل صفحات ألف ليلة وليلة، حيث الجني يخسر والشيطان بائس، والكوميديا الهزليّة من الملوك والسلاطين بشكل غير مباشر، وظهور كائنات من قاع الشعب تستطيع اختلاق المستحيل، توقف الانجاز المشرقي بشكل شبه كامل عن ابتكار أي شيء خيالي، أو إعادة صياغة الموروثات الميتافيزيقية بما يناسب نهضة ثقافية حقيقية.

اليوم نعيش أدباً نضالياً منذ أن نشأت أسلوبية الكتابة العربية الحديثة منذ سبعين عاماً أو حتى يزيد، ولم تنته حتى الآن، ما زالت الأدبية تسعى لنقديات اجتماعية وعاطفية دون القدرة على الخروج من هذه الدوامة الثقافية.

في الأدب الأمريكي الحديث يُعتبر أنّ هناك ثلاث روايات تشكّل الكلاسيكية الأمريكية وتحدد معالم الهوية الثقافية، وهي موبي ديك لهرمان ملفل، ومغامرات هكلبري فن لمارك توين، وساحر أوز العجيب لليمان فرانك بام.

اليوم نعيش أدباً نضالياً منذ أن نشأت أسلوبية الكتابة العربية الحديثة منذ سبعين عاماً أو حتى يزيد، ولم تنته حتى الآن، ما زالت الأدبية تسعى لنقديات اجتماعية وعاطفية دون القدرة على الخروج من هذه الدوامة الثقافية.

وعند هذه الأخيرة، التي قد قرأتها مؤخراً، كنت أتوقف مطولاً عند هذا التشكيل الفني والأدبي والسردي المذهل لمخيلة ليمان، هي حكاية من طراز قصص الجنيّات، لكن أبطالها لا يمتلكون الذكاء ولا الجمال، وليس لديهم أي شيء مذهل في شخصياتهم، بل على العكس، كل شيء مختلف.. أربعة أبطال، رجل قش، وحطّاب من الصفيح، وأسد جبان، وطفلة تُدعى دورثي.

شخصيات غير كاملة، لا تبحث عن شيء محدد كما نفعل نحن البشريون، فنحن مدمنو معاني إلى درجة العبودية في محاولة تفكيك أي شيء والتسابق للحصول على إدراكه، وهذا ما لم يوجد في تقديم ليمان لشخوصه، وهذا كان المذهل.

إنهم كائنات ناقصة ولا تريد أصلاً الوصول إلى الكمال، كمعاني خارجية، لكنها تبحث عن فهم ذاتها كأشكال داخلية ومكتفية.

بغض النظر عن هذه الفلسفة الشخوصية التي أنشأها ليمان، ما استوقفني في هذه الرواية الرائعة، هو قدرة الكاتب على إعادة تشكيل واحدة من معالم الثقافة الشعبية التي كانت منتشرة في أمريكا، وهي فكرة الجنيات والكائنات المخفية ما وراء الواقع، التي دائماً تؤذي الكائن البشري.

بوستر الواية حينما تحولت إلى فيلم (شاهد فوريو)

لقد استطاع الكاتب أن يعيد صياغة هذه الكائنات بجعلها أكثر تفاعلاً مع الإنسان المعاصر دون الشعور بالخوف منها، في عملية استقدام كائنات غير بشرية وغير كاملة ولا تشعر بما يشعره البشري من أفكار خداع أو نزوات أو شعور بالتفوق في البحث عن الكمالية والمثالية، تماماً كما كان يفعل مؤلف ألف ليلة وليلة قبل قرون، في إخضاع الكائن الميتافريقي للمخيال البشري الطبيعي وشروره.

لم تكتمل تلك الرؤية الأدبية ولا مساهماتها الثقافية وتطورها التأثيري على المجتمع، بسبب إعادة توجيه تلك النظريات للكائن المخفي، فتمت إعادة خلقهم سينمائياً وهو ما أصبح مسيطراً على الوعي الجمعي وهو أيضاً ما ساهم في ازدياد نسبة الجهل.

استطاع بعض كُتّاب أمريكا، مثل ليمان، في إنشاء هذه التحولات على مستوى الوعي الاجتماعي داخل الأعمال الأدبية، في تحييد الكائن الغيبي وإخضاعه لخيرية بشرية وهو ما ساهم في تطور وعي اجتماعي اتجاه تلك الغيبيات التي ترسخها أصلاً الثقافية الدينية، مثلما ترسخها الأديان في كل العالم، بوجود الكائن الشرير المؤذي خلف الواقع، والذي يظهر دائماً في الحكاية الشعبية كعنصر سلبي وقوي.

طبعاً لم تكتمل تلك الرؤية الأدبية ولا مساهماتها الثقافية وتطورها التأثيري على المجتمع، بسبب إعادة توجيه تلك النظريات للكائن المخفي، فتمت إعادة خلقهم سينمائياً وهو ما أصبح مسيطراً على الوعي الجمعي وهو أيضاً ما ساهم في ازدياد نسبة الجهل التي تؤمن بوجود مثل تلك القوى الشريرة والشيطانية الخارقة.

بغض النظر عن هذا الصراع التاريخي الأدبي المتطور في إعادة إحياء التراث الشعبي داخل فهم إدراكي أعلى وبين سينما تجارية رسّخت التخلف في هذه المسائل وأقنعت مليارات بحقيقة تلك الكائنات الماورائية، تبقى رواية ساحر أوز العجيب عملاً ممتعاً أدبياً مثل أعمال أخرى كثيرة ساهمت في إعلاء شأن التخيّل البشري بطريقة رائعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.