البيولوجيا والأيديولوجيا والتكنولوجيا: أي عالم بعد كورونا؟

19
بقلم: رفيق خوري

في هذا المقال، يحاول الكاتب رفيق خوري، أن يقدم أجوبة عن أسئلة ملحة في زمن الكورونا؛ من مثل: هل صار يعتقد الناس بأن الأنظمة السلطوية أنجح في مواجهة الكوارث من الأنظمة الديمقراطية؟ وبالتالي هل يراد لنا أن نؤمن بإعلاء المال على كل القيم؟ ولكي نتعرف على الأجوبة وأمثلتها في تجارب الشعوب؛ نقرأ معًا

العالم مغلق. كورونا حكم عليه بالإقامة الجبرية، وعلى ضعيفي المناعة من سكانه بالموت. لا أحد يعرف متى ينتهي هذا الوباء، وسط المخاوف من أن نردد قول الاقتصادي الأميركي جون كينيث غالبريت في أزمة عام 1933 “الأسوأ يزداد سوءاً، وما بدا أنه يوم النهاية كان في اليوم التالي مجرد بداية”. والسؤال المباشر الذي يصعب الهرب منه هو: ماذا لو استمر إغلاق العالم عاماً أو أكثر؟ كيف ستكون صورة العالم بعد كورونا؟

يروي البروفسور جوزف ناي أن مجلس الاستخبارات الوطني في أميركا وضع عام 2007 أربع صور مختلفة لعام 2020:

الأول “عالم دافوس” عبر استمرار العولمة الاقتصادية مع المزيد من الوجه الآسيوي. الثاني “عالم السلام الأميركي” أي الوحدانية الأميركية على قمة العالم. الثالث “عالم الخلافة الجديدة” حيث تقود الأصولية الدينية إلى حروب أهلية. والرابع “عالم الخوف” حيث تخلق قوى خارج العولمة صدمات أمنية وتنتج مجتمعاً أورويلياً، أي مجتمع “الأخ الأكبر” الذي تخيله جورج أورويل في كتاب “1984”.

لكن المشهد عام 2020 يكشف أنه لا صورة سادت. العولمة التي كان ينتقدها اليسار يتمرد اليوم عليها اليمين في قلب أميركا وأوروبا، وأن تعاظم وجهها الآسيوي عبر وصول الصين إلى مرتبة الاقتصاد الثاني في العالم وتمسكها بالعولمة.

الوحدانية الأميركية انتهت بصعود الصين وعودة روسيا إلى القمة وطموح أوروبا لعالم متعدد الأقطاب. الخلافة التي أقامها “داعش” خسرت أرضها وعاصمتها في العراق وسوريا، وإن بقي تهديد داعش وعدد كبير من المنظمات الأصولية. أما الخوف فإنه الوحيد الذي يتعاظم في عالم خليط من الصور الأربع.

من المبكر بالطبع حتى لدى الرؤيويين والمستقبلين تصور المشهد في عالم ما بعد كورونا. فالوباء يفعل بنا أكثر مما فعلته الحروب والأيديولوجيات والطوائف والأنظمة الرأسمالية والاشتراكية. وكل القوى العظمى وغير العظمى والتطورات والاختراعات العلمية والتكنولوجية تبدو أمامه هشة ضعيفة وعاجزة.

غيّرت الأيديولوجيات حياة الناس في النجاح والفشل. الأنظمة تحكمت بالناس، ولكن ليس بشكل كامل حتى في الأنظمة السلطوية الشمولية.

الحروب غيرت الخرائط الجيوسياسية للعالم. حرب الثلاثين سنة في القرن السابع عشر صنعت ما سمي “نظام وستفاليا”: الاعتراف بسيادة الدول في أوروبا.

وقادت حروب نابوليون مطلع القرن التاسع عشر إلى نظام “توازن القوى” في أوروبا بإشراف مستشار النمسا مترنيخ. الحرب العالمية الأولى أسقطت السلطنة العثمانية والأمبراطورية النمسوية المجرية، وأمبراطوريتي روسيا وألمانيا وأدت إلى تعاظم الأمبريالية الأوروبية في آسيا وأفريقيا، كما إلى مبدأ “حق تقرير المصير” برعاية الرئيس الأميركي وودرو ويلسون.

أنهت الحرب العالمية الثانية، الفاشية الإيطالية والنازية الألمانية والعسكريتاريا اليابانية، وانتهت بتقسيم أوروبا وتقاسمها بين ستالين والغرب، وفتحت باب التحرير الوطني في المستعمرات.

ويروي تشرشل في مذكراته قصة لقاء مع ستالين في أكتوبر (تشرين الأول) 1944، قلت له: دعنا نحل قضايانا في البلقان. ماذا لو اخذتم 90 في المئة من النفوذ في رومانيا ولنا 10 في المئة، وأخذنا 90 في المئة من النفوذ في اليونان و10 في المئة لكم، ومن ثم 50 في المئة لنا و50 في المئة لكم في يوغوسلافيا؟ كتبت ذلك على ورقة وقدمتها له.

صمت برهة ثم أخذ قلمه الأزرق ورسم نقطة كبيرة على الورقة وأعادها إلي. وهكذا سوينا كل شيء في دقائق. وحين اقترحت إحراق الورقة قال “احتفظ بها للتاريخ”.

أما وباء كورونا فجعل العالم حتى الآن في حال أسوأ من الحال التي وصفها الشاعر ماتيو أرنولد في القرن التاسع عشر بالقول “العالم ليس في فرح، ولا في حب، ولا في نور، ولا في يقين، ولا في سلام، ولا مساعدة من الألم.

يقول ماركس إن “رأسمال يدفع الزمان إلى إنهاء المكان” وكورونا أوقف الزمان وأعاد العالم إلى الحجر في المكان. الإغريق تحدثوا عن “الموت الجميل” وكورونا جعل الموت بلا مشيعين، وكل شخص يرى في الآخر “عدواً” يحمل له فيروس الموت. العجز عن معالجة كل المصابين حتى في إيطاليا ودول أوروبية أخرى دفع المسؤولين إلى الخيار بين من يمكن إنقاذه ومن يجب تركه يموت. ولا أحد يستطيع اليوم الهرب من رؤية ما يفعله كورونا بضحاياه.

على عكس الصورة التي رسمها آدم سميث عام 1760 “المرء لا ينام إذا أصيب بجرح في يده. لكنه يشعر بالأمن الكامل، ولو مات مئات الملايين في الصين لأنه لا يراهم”.

وإذا كان السلاح النووي بدّل كل شيء باستثناء “طرقنا في التفكير” كما قال إينشتاين، فإن أفكارنا محكومة بالتغير مع كورونا. فالمجتمع لم يعد مجتمعاً وشكل الاقتصاد سيقود “لا فقط الى إفلاس الشركات والمؤسسات وفقدان الملايين لوظائفهم بل أيضاً إلى إفلاس الدول والأنظمة.

والكل في الامتحان. أميركا وأوروبا وروسيا وبقية الدول بما فيها الصين التي نجحت جزئياً في احتواء الوباء وأخطر ما يمكن أن يسود اعتقاد بأن الأنظمة السلطوية أنجح في مواجهة الكوارث من الأنظمة الديمقراطية، وأنها هي المستقبل الجامع. وأسوأ ما أريد لنا أن نؤمن به هو إعلاء المال على كل القيم.

ما نعانيه اليوم هو غلبة البيولوجيا على الأيديولوجيا والتكنولوجيا. وما يقول هيغل إننا سنعاينه غداً هو “التاريخ الكلي هو الحكم الأخير”. والله اعلم!


رفيق خوري، صحفي لبناني، كاتب مقالات رأي.

مصدر المقال منشور في موقع اندنبندنت عربية بتاريخ 25 أذار/ مارس 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.