“البيدا” تحاول فرض مناهج التعليم

القضية الكردية، قضية وطنية سورية بامتياز لحقها ضرر كبير، وتأذى عدد واسع من الكرد جراء ممارسات ذلك التنظيم المصنف لدينا على أنه تنظيم إرهابي بسجل حافل من الانتهاكات لحقوق الإنسان.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

مدخل:

“البيدا” ليست تنظيماً سورياً، أو كردياً مستقلاً، هي توليد، وفرع حزب البيككي المصنف عالمياً على أنه إرهابي، ولد التنظيم في أحضان ورعاية النظام السوري للقيام بمهام عدوانية ضد تركيا الجارة، وتنفيذ سياسات النظام الإرهابية والفئوية، وفعلاً كانت معسكرات التدريب في سوريا حتى بعد توقيع ” اتفاقية أضنة” بين تركيا والنظام السوري التي أذعن فيها النظام للشروط التركية بمنع تواجد البيككي، أو قيامه بعمليات عسكرية واغتيالية في تركيا، وتسليم عبد الله أوجلان بتلك الطريقة التي جرت، لكنه واصل عمله تحت هذا العنوان.

ـ استمرت علاقات البيدا قوية بالنظام السوري حتى بعد قيام الثورة السورية، ورغم مشاركته في “هيئة التنسيق” لفترة، وحضوره مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية (حزيران 2012) إلا أن أطروحاته كانت مختلفة فيما يتعلق بالموقف من النظام السوري، لذلك لم يستمر طويلاً في هيئة التنسيق وانسحب منها.

ـ البيدا يحمل مشروعاً “عابراً” لسوريا ملوّن بنكهة كردية خاصة يحاول فيها استثمار الوضع الكردي لصالح أجندته الخاصة التي هي جزء من رؤية ومشروع البيككي . وبالرغم من هذا الغطاء ” الأممي” إلا أن أعضاءه المنتمين إليه هم من الكرد، ويطرح وحدة كردستان ويضع الخرائط لها التي تضمّ أجزاء واسعة من سوريا تحت مسمّى “روج آفا” موظّفاً وجود مسألة كردية تحتاج الحل الديمقراطي الشامل.

حين قام ” التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب” جرى اتصال مع الائتلاف للمشاركة فيه، وقتها طرح الائتلاف موقفه المناهض لكافة أشكال وتنظيمات الإرهاب وأنه مستعد للمشاركة شرط أن يشمل، إضافة إلى داعش وأبناء عمومتها، النظام السوري والمليشيات الطائفية الإرهابية التي استقدمها، فرفض الأمريكان ذلك واتجهوا لبناء حلف مع البيدا وتقديم الدعم العسكري الكبير واللوجستي لهم، وقد قام التحالف الدولي بقيادة أمريكا بالجهد الأكبر في تدمير الوجود الداعشي وطرده من المنطقة، وبالوقت نفسه أنشأوا تنظيماً عسكرياً يتبع للبيدا أخد يتسع ويكبر ويشارك في تلك الحرب، ثم تشكيل ما يعرف ” بقسد” عبر مشاركة عدد من العرب نتيجة أسباب متداخلة، في مقدمها الوضع المعيشي للسكان العرب وحاجتهم إلى أي مورد للعيش، وعداؤهم لداعش وقوى الإرهاب.

الأمريكان وفي لقاءات عديدة مع الائتلاف، كانوا ينفون وجود أية علاقة سياسية مع البيدا، وأن الأمر ينحصر بالعلاقة العسكرية، وهو أمر لا يستقيم مع التحليل والوقائع، فدعم أية مجموعة عسكرياً بذلك الزخم والقدرات سينجم عنه تطورات ونتائج سياسية حكماً، وهو ما حدث عندما مُكّن البيدا من وضع يده على المنطقة بكاملها، وتجاوز أطروحاته عن مناطق تواجد الكُرد إلى محافظات ثلاث يشكل العرب فيها الأكثرية الساحقة، خاصة في دير الزور الخالية من أي وجود كردي، والرقة المماثلة لها إلا من تواجدات قليلة في بعض المناطق، وحتى محافظة الحسكة ونسب الوجود الكردي والعربي والسريان الآشوريين.
…….
في إطار سلطة الأمر الواقع غير الشرعية، وغير القانونية جرت الكثير من الممارسات الإرهابية، ومحاولات التغيير الديمغرافي، وقمع المخالفين خاصة من المجلس الوطني الكردي، وعبره الكُرد من مختلف الفئات، بحيث تؤكد الوقائع أن القضية الكردية، قضية وطنية سورية بامتياز لحقها ضرر كبير، وتأذى عدد واسع من الكرد جراء ممارسات ذلك التنظيم المصنف لدينا على أنه تنظيم إرهابي بسجل حافل من الانتهاكات لحقوق الإنسان.

آخر “إبداعات” هذا التنظيم محاولة فرض مناهج تعليمية للمراحل الثلاث: الابتدائي والإعدادي والثانوي بقوة الأم الواقع.

في قراءة أولية لتلك المناهج، يتوضح العديد من الحقائق الموضوعية:

1 ـ لا توجد أية مراجع مكتوبة لاستناد تلك المناهج، ولا أسماء المؤلفين، ولا المؤسسات التي أصدرتها خلافاً للسائد في مثل هذه الحالات.

2 ـ هذه المناهج تفرض بقوة الأمر الواقع والأجهزة التابعة للبيدا دون استشارة الأهالي وأخذ رأيهم فيما يرغبون لتعليم أبنائهم، وهي مناقضة تماماً للمنهاج السوري الذي أجرت عليه الحكومة السورية المؤقتة تعديلات مناسبة، بل وحتى أنها تخالف المناهج التعليمية التي طرحتها منظمة اليونسيف وقامت بتمويلها.

3 ـ لا تستند تلك المناهج إلى الحقائق العلمية بل يغلب عليها النهج الإيديولوجي لقولبة التلاميذ وفق نمطية من الثقافة والتفكير مخالفتين للثقافة السورية المترسخة عبر تاريخ وقيم وأخلاق الشعب السوري بمختلف مكوّناته وفئاته، وتذكّر بنهج جدانوف في المرحلة الستالينية مع نكهة مضافة تحاول دغدغة بعض المشاعر الشعبية للأكراد في حين أنها بالجوهر تناقض مصالحهم، وقضيتهم، وثقافتهم، والقصد واضح لنسف الثقافة السورية العريقة بكل مفاصلها ومكوّناتها.

4 ـ هناك جنوح خاص للتلاعب بقصية المرأة وحقوقها، ومناقشة موضوعات دقيقة لا يمكن للطفل فهمها واستيعابها في محاولة لقولبة الأجيال وفق ذلك النهج الشمولي الذي تداعى في بلدان المنشأ والتطبيق في الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية.

5 ـ محاولة فرض منهج مغاير لرأي وثقافة أبناء المنطقة هو تحدّ ساذج لإرادة أغلبية السكان الذين عبّروا عن رفضهم، وعن قبول تعليم ابنائهم بما يخالف ثقافتهم وعقائدهم، وقد أعلنوا ذلك من خلال نقابات المعلمين والمحامين، وفي حراك شعبي قوبل بإجراءات قمعية واعتقالات، و تهديد بالتصفية والاعتقال للمخالفين.

ولئن اعتبر البعض أن طرح هذه المنظومة في وقت لم يبدأ فيه العام الدراسي هو محاولة لمقايضة سياسية ملغومة فإن ما يجري يشكّل جزءاً من فلسفة وتكتيك تنظيم البيككي ودأبه على فرض مشروعه الشمولي بالقوة الجبرية وليس عبر مراعاة رأي وموقف الأغلبية الساحقة من السكان، وفي مقدمتهم المواطنون الكرد الذين رفضوا على مدار السنوات الأخيرة إرسال أبنائهم للتعلّم في المدارس التي تديرها البيدا، وهم يعلمون أنه ليس لها أي سند شرعي، أو قانوني، ولن تعترف بنتيجتها أو شهاداتها أية جهة إقليمية أو دولية.

بقي القول إن نشر خارطة لما أطلقت عليه كردستان ” الموحدة” يثير حفيظة السكان، خاصة من العرب حيث تقتطع أجزاء مهمة من الوطن السوري وتنسبه إلى ما يسمى ” روج آفا” بعيداً عن الدقة الجغرافية والتاريخية، وما تشكله من إثارة فظة لسكان المنطقة يمكن أن تقود إلى صراعات دموية فيها، في حين يعلم الجميع أن تلك الخارطة هي نوع من محاولة دغدغة نزوعات بعض الكُرد بعيداً عن الواقع والممكن، ولإثارة مزيد الصراعات مع الدول الإقليمية.

لن يمرر سكان المنطقة، من كل المكوّنات، هذه المسرحية سيئة الكتابة والإخراج، وسيقاومونها بكل السبل لدفنها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.