البيئة ونسبيّة الوعي.. هل يمكن أن يصبح النسبي مطلقاً؟

بهيمية التفكير بأننا نمتلك الحقيقة لأننا نمثّل الكثرة العددية في مجتمع مرتاح ذهنياً لأنه لا يريد النظر خارج الصندوق لا يجعلنا على صواب، بل يجعلنا أغبياء.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

ما يجعل تمنينا للمستقبل، ورؤيتنا الشخصية له قائمة، هو فكرة امتلاكنا للحقيقة التي أباحتها البيئة التي نشأنا فيها، وتمت زراعتها في عقولنا دون أي محاولة للتفكير والنقد والبحث؛ إننا بطريقة ما نعيش نفس مقولة أبو طالب (أما دين آبائي فإن نفسي غير مشايعة على تركه).

أبو طالب لم يغيّر دين آبائه رغم معرفته لتجديد ما جاء به ابن أخيه، أراد أن يموت على وعي بيئته التي عاشها؛ الأمر نفسه نمارسه اليوم، ليس دينياً فقط، بل كوعي عام، إننا نريد أن نعيش في البيئة التي أراحت عقولنا من التشكيك والبحث والتغيير.

هذا الرفض للتفكير يضع الوعي الجمعي للمجتمع في بوتقة الصحيح المطلق والأبدي، وتصبح البيئة التي من المفترض أن تكون هي ما يثبت نسبية الأشياء، وقد تحولت إلى إطلاق، ومن خلالها تصبح محاربة أي فكرة جديدة هي الأولوية للإنسان، دون أن يعي بأن ما يراه صحيح، ليس لأنه يمتلك الحقيقة بل لأنّ البيئة أرادته صحيحاً.

ماوكلي وطرزان

بمثال بسيط، ماوكلي فتى الأدغال الهندي، أو طرزان الإنكليزي (بعيداً عن أنهما شخصيات أدبية)، لكن تغيّر بسيط في الحدث الحياتي جعل مستقبلهما خارج نطاق ما كان مرسوماً لهما، بأن يكون أحدهما سيخياً ذا مرتبة دينية واقتصادية رفيعة والآخر كاثوليكياً ارستقراطياً مبجلاً، تغيّر ما جعلهما كائنات تمتلك وعي الحيوان الغريزي رغم أنهما بشريان، وعليه أضحت ثقافتهما ووعيهما وطقوسهما التعبدية خاضعة لذلك الوعي البدائي التي بالنسبة للأديان الأخرى والوعي الآخر (الذي ينظر لنفسه متفوقاً دائماً وأكثر حضارة) بأنه آلية منحرفة عن الصواب.

يصبح الوعي الجمعي هو مالك الحقيقة دون النظر لنسبيتها أو اختلاف غيرها في مجتمعات أخرى تنظر لنفسها أيضاً على أنها مالكة مطلقة للحقيقة باعتبارها تمتلك سلطات وقوانين ومناهج للحياة.

لحظة واحدة غيّرت مفهوم وتاريخ الشخصيات للأبد وبالتالي لا معنى لكل ما يمكن للبيئة، التي من المفترض أن يكونا فيها ويعتادا أنّ تلك البيئة هي الحق المطلق، قد تلاشت في لحظة واحدة وأصبحا ابنَي بيئة أخرى يعترفان فقط بأن بيئتهما هي الحقيقة المطلقة وكل ما عداها شر أبدي.

الأمر نفسه يمكن قياسه علينا اليوم؛ فما نعتبره الحقيقة ليس سوى بيئة أقنعتنا بأننا نمتلك الحقيقة ومفاتيح الخلود، لا أكثر ولا أقل.

الاختلاف البيئي يحدد الوعي والتفكير

إننا كمجتمعات لها مجموعة من القوانين والسلطات التي تفترض رؤى معينة لتسيير البشر وفق مناهج محددة لتحديد شكل العالم وتنظيمه، ونتيجة تراكم هذه القوى والسلطات التنظيمية السلوكية والمفهوماتية؛ يصبح الوعي الجمعي هو مالك الحقيقة دون النظر لنسبيتها أو اختلاف غيرها في مجتمعات أخرى تنظر لنفسها أيضاً على أنها مالكة مطلقة للحقيقة باعتبارها تمتلك سلطات وقوانين ومناهج للحياة.

هذا الاختلاف البيئي يحدد الوعي والتفكير وطريقة الحياة والمفاهيم، لكنه نتيجة تمركزه وما يبيحه من هدوء وسكينة وحقيقة زائفة في الروح، لا يحث العقول الاجتماعية إلا على السير في الموكب الموحد، إنه لا يستطيع النظر خارج الصندوق، وعليه يعتبر ما يعيشه هو الحقيقة دون أن يفهم البديهية بأن البيئة هي التي حددت هذه الحقيقة وليس لأنّ الفكرة التي نمتلكها هي الحقيقة.

بمثال بسيط، لو أن عمرو بن العاص لم يفتح مصر، أليس “الأخونجي” المصري اليوم، سيكون مدافعاً عن المسيح وسيكون “إخونجياً مسيحياً” بدلاً من أن يكون “إخونجياً” مسلماً، ويعتبر أن أرض مصر القبطية هي أرض الحق وأن الشريعة المسيحية هي الخلود المطلق. نفس الشخص الذي يتهم المسيحيين اليوم بالكفر في الأزهر، لو أن عمرو بن العاص لم يدخل مصر، فالشخص نفسه سيكون مسيحياً ويتهم بعض المسلمين في مصر بالكفر.

هذا الاختلاف البيئي يحدد الوعي والتفكير وطريقة الحياة والمفاهيم، لكنه نتيجة تمركزه وما يبيحه من هدوء وسكينة وحقيقة زائفة في الروح، لا يحث العقول الاجتماعية إلا على السير في الموكب الموحد.

بهيمية التفكير

معنى الحديث أن بهيمية التفكير بأننا نمتلك الحقيقة لأننا نمثّل الكثرة العددية في مجتمع مرتاح ذهنياً لأنه لا يريد النظر خارج الصندوق لا يجعلنا على صواب، بل يجعلنا أغبياء.

من حق كل شخص أن يتعامل مع نفسه كغبي، من حقه ألا يعتبر البيئة هي التي تحدد الحقائق كنسب، وينظر للأمر من زاوية إطلاقية، ويعيش في هذه البوتقة المغلقة، لكن ليس من حقه أبداً أن يفرض غباءه على المجتمع ويحول رؤاه التي هي نسبية بوضوح لا لبس فيها إلى صورة مطلقة وأبدية.

لا يمكن أن يصبح النسبي مطلقاً – كوعي بشري – مهما حاول الشخص فرض ذلك إلا بقتل كل من يمثّل النسبية؛ إن مجرد وجود المطلق هو ترسيخ للغباء.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.