البعدُ الأخلاقيّ في بناء الفرد والمجتمع

لقد آلمَ للسوريين كثيرًا أن يُعلن عن إهدار (95 ألف دولار= 350ألف درهم) لقاء إضاءة برج خليفة، احتفاءً من الثنائي (أنصالة) بمعرفة جنس جنينهما الثاني، في ذات الوقت الذي كان يُعلن فيه والد طفل في أحد المخيمات في ريف إدلب الشماليّ بيع كليته لإنقاذ بصر طفله.

بقلم: د. محمد عادل شوك

كثيرةٌ هي النصوص والأقوال، التي تتحدّث عن أهمية الأخلاق، في بناء الفرد والمجتمع؛ غير أنّهما في ذلك بحاجة ماسّة إلى الجانب العمليّ.

وهو الأمر الذي لا يحسنُه الكثيرون؛ لأنّ في ذلك حملًا للفرد والمجتمع على أمرٍ، هو أمرُّ من الصبر، وأقسى من الفولاذ، وأعتى من الريح الصرصر.

لقد كانت جداتنا في الريف يقلْنَ لنا عند موت أحد الجيران: “لا تنشروا غسيلكم قبل أن ينشروا هم غسيلهم، وذلك إيذانًا بفكّ حزنهم”. وعادة ما يكون ذلك بعد اليوم الأربعين.

وكان المجتمع يُعيب على المرء أن يقيم الفرح قبل أن يستأذن أهل الميت، وكثيرًا ما شهدنا أعراسًا قد ألغيت بسبب خبر وفاة لأحد الجيران على حين غِرَّة.

تلك هي المنظومة القيميّة التي نشأنا عليها في الريف السوريّ، وهي المنظومة ذاتها التي لم تخلُ منها الأحياء القديمة في المدن، قبل أن يختلط فيها الحابلُ بالنابل.

إنّ المنظومة القيميّة – وبغض النظر عن الالتزام بها أو النفاق في استعمالها- هي واحدة عند كل البشر، حتى وإن رتّبتها الثقافات بصفة مختلفة، وينقلها جيل إلى جيل؛ لأنها زبدة تجربة الأجيال السابقة وخبرتها بالحياة، وتوصية المجرّبين ومَنْ عركتهم الأيام.

وهي تنقل أحسن التوصيات لأحسن حياة ممكنة، فرديًا وجماعيًا، وهي تحذِّر إلى أن عدم احترامها يؤدّي أحيانًا إلى منفعة عاجلة، وإلى مضرّة آجلة.

إنّها وحدها التي تحقّق – رغم كلفتها الآنية – منفعة الفرد ومنفعة المجتمع؛ وعندما تتعارض المصلحتان فإن الخيار الأنسب للتقليل من الأضرار للمجتمع ككل، هو الذي يضع منفعة المجموعة قبل منفعة الفرد؛ فليس هناك أمة نجحت إلا بتحقيق هذا المعيار.

لقد أحسن عالم الاجتماع الإيطالي سيبولا، حينما صنَّف المجتمع بناء على المعيار الأخلاقيّ، وليس على العرق أو الدين أو اللغة، لأنه هو المعيار الوحيد الذي يشكل قاسمًا مشتركًا بين البشرية جمعاء:

1-الذين تنتج أفعالهم المنفعة لهم ولغيرهم وهم العقلاء.

2-الذين تنتج أفعالهم المنفعة لهم والمضرة لغيرهم وهم الأشرار.

3-الذين تنتج أفعالهم المضرة لأنفسهم والمنفعة لغيرهم وهم الأغبياء.

4-الذين تنتج أفعالهم المضرة لهم ولغيرهم وهم الحمقى.

والعبء في ذلك مُلقى بالدرجة الأولى على الآباء والأمهات كمدرسة أولى للأخلاق، فهم الذين يأخذون بأيد أبنائهم ليتعلّموا الصبر ويبتعدوا عن الأنانية، فينصهروا في المجتمع، ويتقاسموا معه الحلو والمرّ، لا أن يسيروا على هواهم، فيكونوا كالقطيع من الإبل، لا يعرفون السير إلّا فرادى.

لقد آلمَ للسوريين كثيرًا أن يُعلن عن إهدار (95 ألف دولار= 350ألف درهم) لقاء إضاءة برج خليفة، احتفاءً من الثنائي (أنصالة) بمعرفة جنس جنينهما الثاني، في ذات الوقت الذي كان يُعلن فيه والد طفل في أحد المخيمات في ريف إدلب الشماليّ بيع كليته لإنقاذ بصر طفله.

إنّ الثورات حينما تفشل، يفشلها الثوارُ أنفسهم؛ لأنّها تنتصر ببعدها الأخلاقيّ، وبمنظومتها القيميّة التي نهضت من أجلها، وليس بقوتها المادية، أو بمشروعية مظلوميتها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.