البشر موجز تاريخ الفشل.. رؤية مختلفة عن التجربة البشرية

لماذا يجب علينا تصديق ما جاء في هذه السردية التاريخية المعروفة لدينا اليوم؟ وما الذي يجعل الحقائق هي حقائق قائمة لا غبار عليها؟ إنه كتاب يقوم على شرح تنميط الإنسان الأكثر ذكاءً.

الأيام السورية؛ خالد علوش

“التطور هو عملية غير ذكية، بل غبيّة إلى حد بعيد، فكل ما يهم عملية التطور هذه هو مقدرتك على النجاة من آلاف الأخطار المحتملة التي تنتظرك خلف كل أجمة وكل منعطف إلى أن تتمكن من نقل جيناتك إلى الجيل التالي عبر التكاثر قبل أن تقضي الطبيعة عليك. وإذا ما قمت بذلك، فهذا يعني أنك أتممت مهمتك بنجاح، أما إن لم تقم بذلك فهذا يعني أنّ الحظ لم يحالفك”.

على هذا النحو يمكن أن نختزل سردية كتاب “موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كل شيء” للكاتب توم فيليبس، وهو من تلك الأنواع السلسلة جداً أثناء القراءة، ويقوم على إعادة قراءة تاريخ التطور البشري بأسلوب ريبي تهكّمي، من خلال سؤال يظهر في كل جزء من الكتاب وفي كل مثال مُناقش، وهو: لماذا يجب علينا تصديق ما جاء في هذه السردية التاريخية المعروفة لدينا اليوم؟ وما الذي يجعل الحقائق هي حقائق قائمة لا غبار عليها! فقط لأنّ هناك طريقاً واحداً للعلم الحالي مجبرين على تصديقه وأن نقوم بفرز الأسطورة لأنها لا تناسب متطلبات القوة الاجتماعية الحالية، أو إثبات حقيقة المواضيع التي أيضاً يمكن أن تكون أساطير لكن لأنها تخدم مصالحنا المعرفية الخاصة والاجتماعية الاقتصادية فهي حقيقة يؤمن بها الجميع ونحاول جاهدين إن كنا مستفيدين منها أم متضررين أن نثبت وجودها بأكثر الأشكال علميّة لأننا لا نملك خيار الرفض؛ إنه كتاب يقوم على شرح تنميط الإنسان الأكثر ذكاءً.

إنها مغالطة العقل اتجاه نفسه، وسوء إدارة الكيان البشري في تدخلاته في عمل منظومة التاريخ والطبيعة التي تؤدي إلى تدمير فكرة وجودنا الكوني.

إنها مغالطة العقل اتجاه نفسه، وسوء إدارة الكيان البشري في تدخلاته في عمل منظومة التاريخ والطبيعة التي تؤدي إلى تدمير فكرة وجودنا الكوني. وربما مثال لوسي “الحلقة المفقودة في سلسلة تطور البشر” في تقديم سبب انكسار عظامها وإثبات الدراسات أنها وقعت من شجرة، من خلال أسلوب التحليل الشعاعي والصورة الثلاثية – في مقدمة الكتاب – أكبر دليل على نمذجة العلم وتخديمه لمصلحة الواقع وليس لأنّ الدراسات الأركيولوجية والأنثرولوجيا أثبتت صحة هذا الأمر، لا أحد من دارسي لوسي أراد أن يقدّم نظرية مختلفة عن سبب انكسار عظامها، إلا الذي اكتشف هيكل لوسي “دونالد جونسون” الذي عارض البحوث الأركولوجية وقال أن هذا ما يحصل لدفن عظام لملايين السنين، وهو ما لا يثبت أبداً أنّ الإنسان في عصر لوسي كان قادراً على تسلّق الأشجار للسقوط من عليها.

طبعاً كلام جونسون لم يلق بالاً أمام القطيع المعرفي الذي لا يريد أن يبحث إلا فيما يخدم هيكليته العلمية الثقافية ومصالحه في تقديم افتراض واحد على حساب أي افتراض آخر وجعله هو الحقيقة العلمية في الوعي الثقافي والعلمي.

كل تاريخنا الثقافي والفكري وإدراكنا للمفاهيم والأديان وأكثر البشر علماً ودفاعاً عن هذه العلميّة يعيشون ضمن هذه المعادلة الافتراضية التي تناسب الواقع لا أكثر ولا أقل.

يناقش الكاتب حقائق واضحة لكنها محمّلة ببديهيات رؤية مختلفة عن صورة التفاؤل: “لقد أُجبِر الإنسان على الاختيار بين الحد من عدد السكان أو محاولة زيادة إنتاج الغذاء، واخترنا الخيار الأخير فانتهى بنا المطاف مع المجاعة والحرب والطغيان”، باختصار فضلنا الكميّة على الجودة. إنها فلسفة بشرية كلاسيكية.

كل تاريخنا الثقافي والفكري وإدراكنا للمفاهيم والأديان وأكثر البشر علماً ودفاعاً عن هذه العلميّة يعيشون ضمن هذه المعادلة الافتراضية التي تناسب الواقع لا أكثر ولا أقل.

الكتاب بطريقة ما ينحو إلى تدمير صورة التفاؤل البشري وفكرة الحضارة، وهو أيضاً يقدّم هراءً بالنسبة لبعض المدافعين على النماذج الليبرالية والباحثين عن حياة الرفاهية المتقدّمة اليوم، إنه هراء كامل لأولئك المؤدلجين الذين لا يستطيعون فهم الواقع كصورة مناهضة في الانتماء للطبيعة وتقديم حقيقة السلوك البشري، إنما تعيش الحيوات على الفتات باسم الرفاه الاجتماعي، لكن الكتاب في عمقه تهديم أنماط لكل أنواع البشر، الميتافيزيقيين وحتى الأكثر تمسكاً بيقينيات العلم الحالي، على الأقل أنه يناقش فكرة ألا شيء حقيقي وثابت فيما نكتسبه من معرفة.

إنه طريقة للتهديم، وهذه نقطة جوهرية ومهمة لفهم ضرورة ما نعيش، وإكساء معرفتنا بالتشكيك الدائم لأي فكرة حاضرة اليوم ونعتبرها يقينية إن كانت في التاريخ أم تصدر اليوم من أكثر المؤسسات موثوقية بالنسبة ليقيني العلم.

يبدأ الكتاب من سردية التاريخ الأول والتدمير الذي حصل باكتشاف الإنسان للزراعة، إنها نقطة تخريب الكيان الأرضي، ويتحدث أشكال الحياة التي انتهت نتيجة التوسع الإنتاجي والتغيير الجغرافي الذي مارسته الحضارات الأولى ومحاولة توطين أنواع لا يمكن توطينها، ونقل الزراعة من أماكن إلى ثانية وأسباب ذلك على بداية انهيار مفهوم الجغرافيا كوليد طبيعي؛ ليسرد في مفاهيم السلطة والقوة وإعادة إنتاج فكرة التحكّم ووصولها إلى مستوى البطر الذي لم يعد يُحتمل، أو قدرة أولئك الأشخاص على تخريب عالم الإنسان والحياة لأسباب مزاجية بحتة، والحروب بأسلوب مختلف عن السائد والديمقراطية كتجربة تاريخية كشكل من أشكال محاولة إنقاذ الإنسان من فكرة الحرب لكنها في الجوهر لم تفعل سوى خلق شكل من الحروب مختلف عن النمط الكلاسيكي، ويناقش بالمقابل تجارب السلطويين في العالم ويقدّم نماذج من التاريخ وجنونهم وأفعالهم بأنفسهم وفي المحيط بهم.

ما يُعيب الكتاب نسبياً هو أنه محمّل بالتصويب السياسي في بعض المقاطع، لكنه ليس تجنّي فيما قُدّم من أمثلة، ولو أنّ الأمثلة قد تكون بحسب منهج الكتاب نفسه، ليست حقائق ثابتة إنما أساطير مؤلفة في الوعي الشعبي.

ما يُعيب الكتاب نسبياً هو أنه محمّل بالتصويب السياسي في بعض المقاطع، لكنه ليس تجنّي فيما قُدّم من أمثلة، ولو أنّ الأمثلة قد تكون بحسب منهج الكتاب نفسه، ليست حقائق ثابتة إنما أساطير مؤلفة في الوعي الشعبي، لكن حتى لو اعتبرنا الأمر كذلك، فهذا لا يُلغي سردية الكتاب من حيث قدرتها على إثارة فكرة عدم الثقة فيما نفكّر به من يقينيات وحقائق.

الكتاب يختزل فكرة قوة السلطة عندما تُبيح افتراض معين ليكون حقيقة مقابل افتراضات أخرى يتم نفسها وتلاشيها من الوعي الإنساني.

 

غلاف الكتاب(الجورنال نت)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.