البداهة والعبقرية

ما الذي يمكننا أن نشعر به حيال العالم الخارجي أمام الاستسهال التوصيفي؟ وهل هذا الأمر عادي وغير مهم؟ أم أنه يؤدي إلى انهيارات مستمرة في عمق التفكير البشري وتوصيفاته؟.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن الألفاظ الإيجابية التي نستخدمها يومياً، كأشكال من الإطراء على الآخرين بصيغة تودد لطيف إليهم، تحمل نمطاً من الرغبات التي تجعلنا جميعاً متقاربين، وتزرع في أنفسنا مظاهر من التأقلم مع الواقع رغم سوئه أحياناً. جمل وعبارات رنانة ومبهرة رغم عدم مصداقيتها، فيها شيء من التحامل على مفهوم الكلمة نفسها ووصف مالا يوجد في الآخرين بها؛ كأن نقول لشخص كتب قصيدة لا بأس بها، ونحن وهو نعلم أن لا بأس بها، أن نقول له “عبقري” أو “مذهل”!

استخدام هذه الألفاظ هي نوع من محاولة إعطاء رأي إيجابي، بأن القصيدة أعجبتنا، لكن لا نريد أن نفكر بعمق لنجد توصيفاً لها، فنقول عنها ببساطة عبقرية.

عملية الاستسهال هذه، تضع اللغة والوعي المحكي للبشر على مفترق طرق. فصاحب القصيدة التي لا بأس بها، بالتوصيف اللغوي يجلس مع دانتي آليغيري في التاريخ الأدبي بنفس المستوى من العبقرية بالنسبة للقائل، رغم عدم مصداقية القول.

أو أن تكون جالساً في منزلك ويتصل بك أحد الأصدقاء ليقوم بزيارة إليك ويسألك إن كنت جائعاً، فتجيبه أنك لم تأكل منذ الصباح، فيقوم بإحضار طعام بطريقه وهو قادم إليك، فتوحي له بمدى سعادتك وفهمه العميق وبداهته العالية لمعرفته أنك جائع وجلب طعاماً، فتقول له بأنه مبدع.

صاحب القصيدة ليس عبقرياً، والصديق الذي جلب الطعام ليس خلّاقاً. هذه تسمى بديهيات السلوك والأفكار، ممارسة الأشياء العفوية والطبيعية في الحياة، فإن كانت بديهية جلب طعام لشخص جائع إبداعاً، فما الذي يمكن أن نقوله على رواية دون كيخوته!، وإن كانت قصيدة أحد ما في الحياة عبقرية، فما الذي يمكن أن نصف به نظرية آينشتاين!. ذات الأمر ينطبق على الغزل العاطفي عندما تقول لفتاة عادية المظهر بأن جمالها فتّان.

هنا ليس الهدف هو الكذب، بل ببساطة عدم اهتمام عميق بسلوك الآخرين، فتقول لهم التوصيفات الأكثر انتشاراً في الحياة.

أمام هذه الحقيقة المُمارسة، والتي يراها البعض غير مهمة كثيراً – رغم أنها تؤدي إلى انهيارات مستمرة في عمق التفكير البشري وتوصيفاته – ما الذي يمكننا أن نشعر به حيال العالم الخارجي!.

هذا الاستسهال التوصيفي يجعلنا عرضة للتصدعات الشديدة في العلاقات الاجتماعية، رغم أنه مفرز طبيعي لمستوى التقدم الذي نحياه اليوم. فالآخرون دائماً يريدون البحث عن مشاعر وإطراءات تضاهي الظرف الحياتي القاسي الذي يحكمنا بآلية من الروتين والانجاز غير المفيد في بوتقة الاقتصاد الحر والإنتاج السريع غير المكترث بمشاعر هؤلاء الناس البائسين.

في إعادة تدوير مستمر للإنسان الحديث داخل الشكل الإنتاجي، يصبح لزاماً على النفس العبودية فيها أن تجد متنفس لوجودها الخلّاق، وبأي طريقة كانت، وواحدة من هذه الطرق هي استسهال التوصيف اللغوي للسلوك اليومي؛ وهي بطبيعة الحال علاقة ثنائية متبادلة، فمن تصفهم أنت بالعبقرية والإبداع، مهما كان الشكل الاجتماعي والسلوكي الذي يوصفون من خلاله، بالمقابل هم سيصفونك أيضاً بالعبقرية والإبداع على ممارسات لا قيمة لها وتُعتبر من البديهيات، ولا أحد من الجميع يدرك مدى الضرر المتشكل من وراء هذه الممارسة.

البشر تبحث عما يحقق لهم اتزانهم الوجودي بالتميّز، فالاستقرار مثلاً والعلاقات البسيطة لا تحقق هذا التميّز، إنها أشكال روتينية، فتأتي اللغة كمعبّر جوهري لصناعة قيمة توصيفية مجازية لهذا السلوك العفوي، ويصبح السلوك الطبيعي يوصف بالأكثر تطوراً، فمثلاً عندما تقرأ فهذا لا يعني أنك أكثر فلسفة، وعندما تستمع إلى الموسيقى فهذا لا يعني أن تتحول إلى أسطورة تُعبد، وعندما تكتب فهذا لا يعني أنك أكثر حضارة.

في عالم اليوم توصف هذه السلوكيات الأكثر تطوراً من البديهيات كإحالة للعبقرية دون أن يعي البشر أن ما تقوم به من تلك الممارسات الفكرية هي الشكل الطبيعي للحياة. عندما تكون المجتمعات في الدرك الأسفل فإنها ترى الطبيعي خارق للطبيعة، ويصبح فهمها للبديهيات والسلوك العفوي والغرائز على أنها المنجز الثقافي والفكري للإنسان المعاصر.

لذا فإن استسهال التعبيرات يؤدي بنا إلى تلك النتيجة النهائية بأن ممارسة أي شيء ينتمي للثقافة كقراءة كتاب أو رسم لوحة على قطعة ورق قد تكون غير متقنة، أو كتابة قصيدة لا بلاغة فيها، يتم وصف صاحبها بالإبداع ويجعل البشر ينظرون بذهول شديد إليها.

مختصر القول هو الوقوف جدياً حول ما يجب قوله عن سلوك الآخرين وأفكارهم دون ذرف التوصيفات جزافاً، لأن ذلك الذرف يوضح بعمق مستوى التفكير البديهي للمجتمع وتصبح معه أي سلوكية عفوية هي شيء خارق للطبيعة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.