الانتماء.. الحدود والسقوف

عندما يكون الانتماء للوطن هو الأساس والمنطلق فإن جميع الانتماءات الأخرى يجب أن تبقى في مكانها الذي يساعد على تعزيز الوحدة الوطنية، وعلى مزيد الغنى والتنوّع، وليس عاملاً للخلاف والتنازع والموضعة.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

زمان، ولعقود سابقة، كان يؤخذ على الأحزاب الشيوعية العربية، والسوريّة منها بوجه الخصوص، أنها لا تملك أي هامش استقلالي، وأنها تابعة لسلطة وقرارات ” الكومنتيرن” عموماً، و”الأخ الأكبر” الاتحاد السوفييتي خصوصاً، وكانت هناك نكتة شائعة تلخص هذا الوضع “إذا أمطرت في موسكو رفع الشيوعيون المظلات”.

في تلك الفترة، خاصة عبر الستالينية وفلسفتها، وقراراتها، التهم العام الخاص، وتغرّبت جلّ الأحزاب الشيوعية العربية فابتعدت عن واقعها، وعن طبيعة تشكيلاتها المجتمعية، وتوجّه الشعب الرئيس، وهمومه، وانشغالاته، وقد استفادت الأحزاب القومية “التي كانت توصف بأحزاب البرجوازية الصغيرة” من ذلك الخلل، ونجح كثيرها في استقطاب الحراك الشعبي وقيادته والاستفادة منه حتى في الوصول إلى السلطة.

كان الانتماء الفكري ـ السياسي: الأممي والقومي هو الأشمل، فاضمحلّت ـ نسبياً ـ الانتماءات الأخرى كالإثنية بالنسبة للأممي، والقطري عند القومي بكل ما شاب تلك الحالة من تناقضات واختلاطات وتفاعلات داخل الأحزاب، وقد أدّى بعضها إلى انشطارات مهمة فيها، كما حدث للحزب الشيوعي السوري الذي انقسم بشكل مهم إلى ما يعرف بالخطّ الرسمي “البكداشي” و”المكتب السياسي” بقيادة المناضل رياض الترك الذي حاول إيجاد المعادلة الصحيحة انطلاقاً من واقع البلد وطموحات شعبه، ثم مجموعة من الانقسامات التالية.

بعد انطلاق الثورة السورية العظيمة بأهدافها حدث انفجار خزين السوري عبر العقود، وبعضه تشظى كزجاجة انفجرت بما فيها فبرز عديد من النزوعات الجديدة، أو تموضعت أكثر بعض الاتجاهات الإثنية.

حتى الأحزاب القومية التي كان لديها قيادات قومية مركزية عرفت عديدا من التناقضات الداخلية بين القومي والقطري، خاصة لمن وصل منها إلى الحكم فسيطر الحزب الحاكم على القرار والتكتيك، وخضعت التنظيمات القطرية إلى موجبات الحكم وما يقوم به مع كل الخلط بين الاستراتيجي والتكتيكي، وبين الحدود القطرية والقومية مما كان له أثره الكبير على التنظيمات القطرية ـ غير الحاكمة ـ في بلدانها التي بدت وكأنها مجرد بوق للنظام الحاكم، وبالوقت نفسه فإن طغيان القومي على القطري أسهم في نوع من المسخ للقطري، والإهمال والتهميش، أو استخدام القومي شكلياً في حين كانت القطرية تتعزز وتتموضع بقوة.

بشكل عام نلاحظ في اللوحة السورية ـ بوجه الخصوص ـ أن المكوّنات غير العربية غالباً ما اتجهت إلى الأحزاب الأممية التي وجدت نفسها فيها، بينما نسبة كبيرة من المسيحيين، والمكوّنات المذهبية الإسلامية غير السنية كانت تجد نفسها في الأحزاب القومية فتُقبل على الانخراط فيها بنسب عالية.

في تلك الفترة التي يمكن وصفها بوجود مشروع نهضوي لم يمتحن واقعياً؛ ضعفت الانتماءات الأخرى التي كان يوصف معظمها بالما قبل وطنية أو قومية، لكن وبعد هزيمة حزيران 1967 التي كانت شاملة، وشيوع نظم الارتداد والتراجع والتسوية ، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي جرت خلخلة كبيرة في ذلك الانتماء العام، وبدأت بعض الاتجاهات التي كانت ضامرة، أو ضعيفة تظهر إلى السطح وتتموضع بأشكال مختلفة، فبرزت ـ على سبيل المثال ـ “الحالة الكردية” كحالة قومية تجمع أطيافاً مختلفة كانت فيما مضى مختلفة جذرياً، ومتحاربة، وبات “الانتماء القومي” موحّداً لتلك التشكيلات المتفاوتة فكرياً وسياسياً، كما أخذت بالتموضع مكوّنات دينية ومذهبية وحتى جهوية وعشائرية وغيرها تحاول تحقيق ذاتها، أو البحث عن ملجأ للحماية وتحقيق بعض المطالب والمكاسب.

أعتقد أن نظاماً ديمقراطياً، مدنياً، تعددياً، كما تصبو إليه، وتدعو إليه الثورة السورية سيكون كفيلاً بتلبية حقوق جميع المكوّنات والأطياف، بما فيها الحقوق اللغوية والثقافية، وحق التحزّب، وممارسة العقائد، والعادات وفق قوانين ناظمة تحقق العدل والمساواة بين الجميع.

بعد انطلاق الثورة السورية العظيمة بأهدافها حدث انفجار خزين السوري عبر العقود، وبعضه تشظى كزجاجة انفجرت بما فيها فبرز عديد من النزوعات الجديدة، أو تموضعت أكثر بعض الاتجاهات الإثنية؛ حيث بدت الأهداف التي طرحتها الثورة، وأهم وثائقها التي انتشرت عن الشعب الواحد، والوحدة الوطنية الجامعة، والحريات العامة والفردية، والمساواة التامة في الحقوق والواجبات على أساس المواطنة ـ حجر الأساس ـ والانتخابات والتعددية، ومختلف المفردات الكثيرة التي طُرحت وانتشرت.. بدت أنها غير كافية، وأن المطلوب كثير من التفاصيل التي تكرّس “حقوق المكوّنات” والأمر لا يقتصر على حقوق الأخوة الكُرد وحسب بل يشمل عديدها، كما دخل على القاموس “المكوّنات الدينية والمذهبية”، والخلاف على هوية سورية، وانتمائها، وموقعها ودورها، وتلازم ذلك مع نوع من المحاصصات التي تغالي في نسب وعدد وجغرافية كل “مكوّن” بما يفتح المجال لنوع من خلافات تحمل داخلها ردود الفعل، ووجود تخوّفات التباسات عند جميع الفئات، بمن فيهم الأكثرية العربية ، أو الإسلامية، وترتقي بعضها إلى مصاف الخوف الواقعي من عمليات تقسيم، أو تشظٍ، أو تفتيت يحاول أن يفسر الديمقراطية بأوسع من جوهرها، وأن يقتنص أكبر ما يمكن مما يعتبره مكاسب.. بينما تجارب المحاصصة في لبنان، وتلك التي فرضت على العراق تلقي أرضاً بهذا النهج، وتكشف عيوبه، ومخاطره، وتدعو إلى التفكير الجاد بوحدة الوطن كأهم ما يجب التمسّك به للوصول إلى نظام المساواة الحقيقي بين جميع فئات الشعب السوري الذي يكرّسه دستور يقرّه الشعب بإرادته الحرّة، بغض النظر عن جنسهم، وإثنيتهم، وقوميتهم، وديانتهم، ومذهبهم.

عندما يكون الانتماء للوطن هو الأساس والمنطلق فإن جميع الانتماءات الأخرى يجب أن تبقى في مكانها الذي يساعد على تعزيز الوحدة الوطنية، وعلى مزيد الغنى والتنوّع، وليس عاملاً للخلاف والتنازع والموضعة.

أعتقد أن نظاماً ديمقراطياً، مدنياً، تعددياً، كما تصبو إليه، وتدعو إليه الثورة السورية سيكون كفيلاً بتلبية حقوق جميع المكوّنات والأطياف، بما فيها الحقوق اللغوية والثقافية، وحق التحزّب، وممارسة العقائد، والعادات وفق قوانين ناظمة تحقق العدل والمساواة بين الجميع.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.