الاعتراف بميولنا التعصبية.. يشكل الشرط الأساسي لكل حوار إنساني

ما الذي يكمن خلف النزعة الإنسانية للتعصب؟ كيف يمكن أن تتكرر باسم الدين أشد أشكال العنف، ما الذي يحول مناضلو الحرية إلى متعصبين قساة، هل تقود الجماهير نفسها إلى حتفها؟

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

تمثّل الأصولية الدينية الممتدة عبر العالم والأخبار اليومية المرعبة حول العنف الناجم عن الإرهاب إحدى الظواهر الباعثة على القلق في عصرنا. فأي حقد تعصبي غير معقول يدفع أناس، ينطقون باسم الله، إلى تحويل طائرة ركاب إلى صواريخ كروز، أو يجزون رؤوس الأبرياء أمام الكاميرا، أو يطلقون النار على ظهور أطفال مدرسة هاربين، أو يهاجمون مصلين عزّل في مسجد أو كنيسة؟

يتملكنا الخوف والغضب فيما يتعلق بتحقيق آخر إمكانات الشر. علينا أن نتعلم كره السلوك الشرير، من دون أن نتحول بأنفسنا إلى مبررين فظيعين أو قضاة زوريين (بارانوئيين). فجعل “القوى الشريرة” في العالم الثالث هي وحدها المسؤولة عن تفجر الوضع العالمي الراهن، وكأنه لم يحدث في أوروبا حرق للسحرة أو الهمجية الفاشية، أو كأن أسلحة الدمار الشامل لم تطبخ في مطابخ سم القوى الكبرى، سوف يمثل ادعاء خطيراً بالعصمة.

فالاعتراف بميولنا التعصبية كلها لابد وأن يشكل اليوم الشرط الأساسي لكل حوار إنساني.

ينبغي للنضال ضد الفقر والحرمان وفقدان المعنى ينبغي أن يتحول لواجب عالمي بمقدار الدراسة الأعمق لاستعداداتنا للتعصب والعنف اللاعقلانية. ولكن من يده في النار غير الذي يده في الماء.

النزعة الإنسانية للتعصب

ما الذي يكمن خلف النزعة الإنسانية للتعصب؟ كيف يمكن أن تتكرر باسم الدين أشد أشكال العنف، ما الذي يحول مناضلو الحرية إلى متعصبين قساة، هل تقود الجماهير نفسها إلى حتفها؟

وبغض النظر عما إذا كانت الجرائم والضلال تبدو مرضية (باثولوجية pathological) أو جرمية، فعلينا ألا نقلل من قيمة جانب التأثر الديني المنحرف. ففي الكلمة “التعصب” تكمن “fanum’. وبالأصل كان “fanatici” هم الذين تحولوا في محيط المعبد من قبل عفريت إلى حالة من الحماس المستعر. فالأمر يتعلق بإمكانية رهيبة “للحالة الإنسانية Conditio humana”، بالانزلاق في شر لا يرحم، قهري ومطلق إلى حد ما.

لقد شهَّر مفكرو التنوير وفي مقدمتهم فولتير بعدم التسامح والانتقام وعدم الحب عند المتعصبين والاندفاع المغلف بالكره للتعصب المقدس. إلا أن محاولة تحقيق النظام السياسي المحكوم بالمنطق بالقوة، أو فصل الروح عن جذرها اللاعقلاني ـ الغامض يوقظ أشباح جديدة.

ومع المحاكم الثورية وحفلات الردح القومجي في العصر الراهن والسيناريوهات الكابوسية للدول الشمولية والحرب الشاملة حل التعصب الديني محل التعصب السياسي، وغالباً ما كان هذا التعصب الديني متجاوزاً التعصب السياسي بالبشاعة والاستعداد البارد للتدمير.

ويبدو أن الإرهاب الراهن قد اتخذ لنفسه منبعاً جديداً كلية، ويظهر بوحشية جبارة حاصداً عدداً كبيراً من الأرواح. فما العمل ضد ظاهرة تتنصل من كل قيم التسامح واللاعنف؟. “فالحرب ضد الإرهاب” هي دمار مستحيل وتؤجج ذلك التعصب بالذات الذي تريد محاربته.

كما ينبغي للنضال ضد الفقر والحرمان وفقدان المعنى ينبغي أن يتحول لواجب عالمي بمقدار الدراسة الأعمق لاستعداداتنا للتعصب والعنف اللاعقلانية. ولكن “من يده في النار غير الذي يده في الماء”.

تجليات التعصب لدى الإنسان

إذ أن التعصب لدى الإنسان بالذات يتجلى بأشكال وألوان مختلفة، ويرتبط بدوافع متنوعة وقد يتستر بمظهر حذق، بحيث يكون من الصعب الوصول إلى تعريفات وتفسيرات علمية موحدة أو حتى تقديم وصفات.

ومن المؤكد أن نشوء وتفاقم الظواهر التعصبية يرتبط بدرجة كبيرة بالفقر والتفقير والأزمات الاقتصادية، إلا أنه لا برجوازيو منظمة الألوية الحمراء ولا معتدو الحادي عشر من سبتمبر ذوي الأوضاع الجيدة كانوا مدفوعين بأية أزمة اقتصادية في أفعالهم الجنونية.

التعصب لدى الإنسان بالذات يتجلى بأشكال وألوان مختلفة، ويرتبط بدوافع متنوعة وقد يتستر بمظهر حذق، بحيث يكون من الصعب الوصول إلى تعريفات وتفسيرات علمية موحدة أو حتى تقديم وصفات.

وما زال حتى الآن أولئك الذين يتحجرون بهذا الشكل إلى درجة أنهم يبدؤون برؤية الموت والقتل وسيلة مشروعة لجهادهم بعض من قلة.

التحليل النفسي

وقد يستطيع التحليل النفسي وعلم الاجتماع والانثروبولوجيا الثقافية وعلماء التاريخ أن يقدموا مساهمتهم المثمرة في السؤال عن الاستعداد النفسي بالتحديد وعن الدوافع اللاشعورية الكامنة خلف الانفجار التعصبي المفاجئ إلا أنه يظل هناك شك في أن ينزلق المرء في خطر التقليل من هول الأمر والإساءة للضحايا. ولكن ترك الظاهرة في مجال القوى الغيبية قد يعني الغدر بأحد أوجب المطالب للتفسير. ويظل واجبنا بفتح سراديب الفهم المنطقي في العواطف الإنسانية الأعمق والأكثر وحشية، مع معرفتنا بأننا سنعثر يوماً ما على منطقة الشر المفجع.

مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.