الاعتداء على الجمال.. انتهاك نسوي أم طبيعة غير عقلانية؟

هل يتعلق أمر الجمال فعلياً بالنظرة الذكورية أم أنّ المسألة أعمق من تلك الشكليّة المعروضة؟ وكيف يمكن أن نفهم حالة قطف الأزهار لتأملها في المنزل، أو تربية قط جميل ذو مظهر مميز للتسلية، أو ارتداء الثياب الجديدة للشعور الضمني بالافتتان والتناسق؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

في إحدى المدونات، طرحت إحدى الكاتبات رؤية مفادها، أنّ شعورها المهدور من نظرة الذكور لجمالها لم تعد تُحتمل، إحساس عميق وشنيع بأنها الفريسة السهلة المرغوبة، وبالأخص عندما لا تكون مسؤولة عن جمالها الذي وهبها إياه الله.

من ناحية عقلية فهذا الكلام صحيح تماماً، فما هو ذنب الكائن الذي يمتلك جمالاً ويتعرّض للانتهاك البصري في أحسن الأحوال دون قدرة على فعل شيء، إنه شعور بالسجن والقيد في عالم واسع.

لكن هل الأمر يتعلق فعلياً بالنظرة الذكورية أم أنّ المسألة هي أعمق من تلك الشكليّة المعروضة؟.

في أحد الأيام كتبت فتاة بوستاً على الفيس بوك يقول الآتي: “عذراً نسويات.. بس لولا الزلمة ما بفكر ابذل جهد لأبرز جمالي”.

رغم بساطة العبارة وعفويتها، لكنها تقف على التضاد من الرؤية التي طرحتها الكاتبة في المدونة، بمعنى، نزعة الجمال (بغض النظر عن كلتا الحالتين إن كانت بإرادتنا أم لا) هي نزعة طبيعية داخل وعي بشري متطور وله قوانينه إزاء فكرة جمالنا الخارجي.

لنبسّط الأمر، أي فتاة جميلة، حتى وإن شعرت بالضيق من فكرة التلصص على تفاصيلها، لن تسعى أبداً ولن تتمنى ضمناً أن تكون أو تصبح قبيحة، رغم رفضها الكلي لما يمارس عليها. نحن أمام بديهية واضحة، أن الكائن البشري يحب أن يكون جميلاً، كما قالت الفتاة في بوستها الفيسبوكي، الجمال ضروري كصياغة للتكامل الوجودي واستمرار العالم، هذا يعني أن المشكلة تكمن كلياً بمفهوم الاعتداء على الجمال، لكن هل الاعتداء على الجمال مرتبط بجمال المرأة؟

لكن هذا الفارق في وعي المجتمعات وتطورها، لا يلغي أبداً أنّ الرغبة بالجمال في كل العالم وحب امتلاكه، هو ميزة ثقافية لوعي إنساني متطور، ونلاحظه في أبسط التفاصيل بغض النظر عن فكرة امتلاكه عنوة.

الوعي الإنساني يتعامل مع هذه المعضلة من منطلق التطور المجتمعي، وأمور مرتبطة بصيغ الدين ومفاهيم التملك وقوة الاقتصاد التاريخي.. الخ.

ففي مجتمع متخلف، لن تنتظر فئة الذكور، الفتاة الجميلة، ليعبّروا عن إحساسهم بضرورة التلصص، لأنّ المرأة في وعيهم هي عبارة عن شيء يجب اختراقه فقط، بغض النظر إن كان شكلها شبيهاً بهيلين الطروادية أو بإنسانة نياندرتيالية، مع الحقيقة طبعاً، أنّ الأكثر جمالاً لها حظوة أكبر بالاعتداء وأن تكون مرغوبة ومسلوبة الإرادة لفكرة الانتهاك. وعلى النقيض في المجتمعات الأكثر تمدناً، فإن صيغة الاعتداء على الأكثر جمالاً أقل وطأة.

لكن هذا الفارق في وعي المجتمعات وتطورها، لا يلغي أبداً أنّ الرغبة بالجمال في كل العالم وحب امتلاكه، هو ميزة ثقافية لوعي إنساني متطور، ونلاحظه في أبسط التفاصيل (بغض النظر عن فكرة امتلاكه عنوة).

في وقت سابق تحدثنا حول ثقافة ألكوزموفاجي، أو التهام الكون، وهو سيطرة وانتهاك الإنسان على كل شيء طبيعي، والرغبة بالجمال هو جزء من هذا الالتهام الكوني، دون مراعاة للطبيعة القائمة بحد ذاتها.

كيف يمكن أن نفهم حالة قطف الأزهار لتأملها في المنزل، أو تربية قط جميل ذو مظهر مميز للتسلية، أو ارتداء الثياب الجديدة للشعور الضمني بالافتتان والتناسق؟ كل هذه الأشياء اليومية هي بصورة أو أخرى مظهر جمالي والاعتداء عليه دون اعتبار لكينونته القائمة بذاتها، فالورود والقطط على سبيل المثال كائنات حية ولها عوالمها، ومع ذلك نعتدي عليها دون أي شعور بالذنب أو التذمر من أنفسنا، لأننا نحب أشكالها الجمالية أو سلوكياتها المسلية.

بنفس المنطق، الوعي الإنساني إزاء فكرة الجمال يقوم على هذا المنهج، فمسألة الاعتداء عليه هي فكرة فلسفية لدى البشر. وكما يتم الاعتداء على المرأة الجميلة وإحساسها بالقيد، ذات الأمر يتم على الرجل الوسيم وإحساسه بأنه جزء من رغبة تسيطر عليه دون إرادته. إنّ التصور النسوي الساذج بأنّ الذكر الوسيم إذا ما تمّ التحرش به، فإنه لن يشعر بالضيق – بل سيكون سعيد – هو عبارة عن وهم وتفكير ضحل؛ فعملية ترسيخ أنّ الاعتداء على الجمال هو قضية نسوية وليست قضية ثقافية فلسفية في الوعي الإنساني، تساهم في خلق شرخ فكري إزاء تلك المسألة وتستمر في تعميقها بشكل سلبي، وإن كان واقع التلصص والتحرش المباشر (وليس المخفي) على النساء أكبر بكثير.

إذاً فالفكرة تقوم أصلاً على ثقافة بشرية من ناحية تطور الوعي وسيطرته على الجمال، ولا دخل له أبداً بمنطق نسوي، باستثناء ظروف كل مجتمع في العالم.

الكاتبة في المدونة نقلت تجربة شخصية (وهذا حق طبيعي) لكن اعتبارها حقيقة أو تبنيها كفكرة شاملة، بتصوري هو خطأ كبير، لأنه كما قلنا هناك على النقيض يوجد فكرة مضادة لكثير من النساء بأنّ وجود الآخر هو سبب جوهري لفكرة أن نكون أكثر جمالاً. وبنقيضها، فكرة اهتمام الذكر لنفسه أيضاً وبحثه عن جمال خاص به، تقوم على المعيار ذاته للعلاقة الثنائية التكاملية.

حتى المرأة في فكرة بحثها عن جمالها أو جمال الآخر، وحتى اعتبارها الفطري أن طفلها هو أجمل طفل بالعالم، رغم أنه يمكن أن يكون ذو مظهر عادي، هو ليس إدانة للمرأة كما يتم الترويج له، هو ببساطة نزعة عفوية وطبيعية لدى الكائن.

بتصوري، حل هذه المعضلة لا يتم إطلاقاً بالتبني للنظرة النسوية وتحميل هذا السلوك لنمط ذكري، لأنه أعمق إزاء ثقافة شاملة حول مفهوم امتلاك الجمال في العالم بأسره ورغبة الإنسان القديمة به، ببساطة إذا عدنا لأي مشروع ثقافي ديني تاريخي، سنرى أنّ توصيفات جميع الأنبياء هي وسامتهم غير العقلانية، وحتى النساء المقدسات في كل الأديان (وثنية أم توحيدية) يمتلكن ذات الشكل من الجمال العميق، وحتى الله، فجماله لا يمكن لأي إنسان احتماله. بمعنى فكرة البحث عن الجمال هو وعي قديم وتطّور عبر التاريخ الإنساني بأسره ليكون سعي البشر إليه نمط امتلاك غير مبرر أبداً أو عقلاني. فحل المعضلة يكون بإعادة خلق فلسفي جديد للوعي حول الجمال وليس بتحميل هيكيلته لجزء بشري واحد.

حتى المرأة في فكرة بحثها عن جمالها أو جمال الآخر، وحتى اعتبارها الفطري أن طفلها هو أجمل طفل بالعالم، رغم أنه يمكن أن يكون ذو مظهر عادي، هو ليس إدانة للمرأة كما يتم الترويج له، هو ببساطة نزعة عفوية وطبيعية لدى الكائن بوعي متطور حول فكرة الجمال المجرد، والذكر أيضاً يتعامل مع الموضوع من هذه الزاوية العفوية.

باختصار، هذا الجانب المجرد لفكرة الجمال وامتلاكه أو الاعتداء عليه بطريقة غير مباشرة، ليس سوى نزعة تاريخية ثقافية للوعي الإنساني العام، دون تحديد جندريته، وتحدثنا عن جانبه المجرد دون أن ندخل لمجموعة من الإشكاليات التي تساهم في تشكيل هذه القضية من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية ودينية وأعراف وتقاليد ومفاهيم، فكل الأشياء السابقة بالإضافة لفكرة الجمال المجرد ورغبة الإنسان به، هي ما تؤسس عالمنا المتداعي والمنهار اليوم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.