الاستبداد والدكتاتورية والشمولية والسلطة المطلقة والأوتوقراطية.. عائلة الطغيان

قراءة في كتاب "الطاغية" للدكتور "إمام عبد الفتاح إمام" (1/2)

لأن موضوع الطغيان والطغاة في العالم العربي موضوع مألوف، ولأن أنظمة الطغيان هي الأصل في جميع الدول العربية، فلا عجب من أن يغدو هذا الكتاب موضوعاً حساساً لتلك الأنظمة حتى أصبح سبّ الطغيان هو سبّ لتلك الأنظمة بشكل مباشر.

182
الأيام السورية؛ فادية الحاج فاضل

يبدو كتاب ” الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي” للكاتب والمترجم المصري الدكتور “إمام عبد الفتاح إمام” من أهم الكتب العربية التي كتبت في هذا الموضوع بجرأة وتحليل جديين، وكان هذا الكتاب قد صدر بطبعته الأولى عام 1994عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ضمن سلسلة عالم المعرفة، وقد تمت إعــــــادة طباعته ثـــــلاث طبعات جديدة،

كانت آخرها الطبعة الرابعة والتي صدرت عن دار نهضة مصر في العام 2004، بمقدمة طويلة للمؤلف يذكرنا فيها بموقف أغلب الدول العربية وتعاملها مع الكتاب حين صدوره أول مرة: هذا الكتاب صودر في معظم الدول العربية، ومنع من دخولها لأنه زائر غير مرغوب فيه، بل جمعت نسخه في بعضها ودفعت الدولة ثمنها كاملاً غير منقوص ثم قامت بدفعها إلى المحرقة كما كانت تفعل محاكم التفتيش في العصور الوسطى… ومع ذلك فقد التهمت منه الأسواق العربية في وجبة واحدة ما يقرب من أربعين ألف نسخة في ساعات معدودات”.

ولأن موضوع الطغيان والطغاة في العالم العربي موضوع مألوف، ولأن أنظمة الطغيان هي الأصل في جميع الدول العربية، فلا عجب من أن يغدو هذا الكتاب موضوعاً حساساً لتلك الأنظمة حتى أصبح سبّ الطغيان هو سبّ لتلك الأنظمة بشكل مباشر.

المجتمعات الشرقية والمجتمعات الإسلامية

يذهب صاحب الكتاب إلى أن تخلف المجتمعات الشرقية بصفة خاصة، والمجتمعات الإسلامية بصفة عامة يعود أساسا إلى النظام السياسي الاستبدادي الذي ران على صدور الناس ردحاً طويلاً من الزمن ولا يكمن الحل في السلوك الأخلاقي الجيد، أو التديّن الحق بقدر ما يكمن في ظهور الشخصية الإنسانية المتكاملة التي نالت جميع حقوقها السياسية كاملة غير منقوصة، واعترف المجتمع بقيمتها وكرامتها الإنسانية، فالأخلاق الجيدة والتديّن الحق نتائج مترتبة على النظام السياسي الجيد لا العكس.

مصطلح المستبد العادل هو من الجمع بين المتناقضات، ذلك أن الطاغية أو المستبد يعني الحاكم الظالم أو الجائر القاسي وهو ما يتناقض مع الاستنارة أو العدل. فكيف يمكن أن يوصف المستبد بأنه عادل أو الطاغية بأنه صالح أو الدكتاتور بأنه خيّر أو مستنير؟

وهو يستعرض نماذج من صور الطغيان، مع التركيز على الاستبداد الشرقي الشهير. الذي سرق فيه الحاكم وعي الناس عندما أحالهم إلى قطيع من الغنم ليس له سوى وعي ذو اتجاه واحد.

مفهوم السلطة السياسية وفلسفتها

يبدأ الكتاب بحديث مختصر عن مفهوم السلطة السياسية وفلسفتها، يتحدث المؤلف عن الطغيان بفصل عن (تأليه الحاكم في الشرق) مبيّناً ومعرّفاً بمصطلح (الحكم الثيوقراطي)، وهذا النوع من السلطة مبني على أن “السلطة مصدرها الله يختار من يشاء لممارستها، وما دام الحاكم يستمد سلطته من مصدر علوي فهو يسمو على الطبيعة البشرية، وبالتالي تسمو إرادته على إرادة المحكومين إذ هو منفذ للمشيئة الإلهية”.

وفكرة تأليه الحاكم قد تطورت واتخذت ثلاث صور متتابعة، فمن كون الحاكم هو الله نفسه كما في الحضارات القديمة، إلى جعل الحاكم يستمد سلطته من الله مع ظهور المسيحية، إلى كون الحاكم قد تولى السلطة بمقتضى الحق الإلهي غير المباشر، أي عن طريق الشعب. ثم يعرض المؤلف لفكرة تأليه الحاكم في الحضارات القديمة مبتدأ بمصر الفرعونية مروراً ببابل وفارس والصين وانتهاء بالإسكندر المقدوني الذي بدأ يأخذ بعادات الشرق وثيابه بعد احتلاله لفارس إلى أن وصل إلى أعلى عادة وهي تأليه الحاكم فأراد أن يعترف به الشعب الآسيوي بل واليوناني أيضاً على أنه ابن لزيوس، حتى اقتبس من الفرس عادة السجود التي كان يتعين بمقتضاها على جميع من يقتربون من الملك أن يؤدوها.

عائلة الطغيان

ثم يعرض المؤلف لعائلة الطغيان، معرّفاً ومبيّناً، ومبتدأ بالتعريف بالطغيان نفسه ويذكر أن أول من استخدم كلمة “طاغية” Tyrannos هو الشاعر اليوناني (أرخيلوخس)، ويشير المؤلف إلى أن كلمة “طاغية” لم تكن تعني في بداية استخدامها معنى سيئاً، بل كانت تعني ملك أو حاكم، بل قد يسمى الملك بالطاغية في سياق المديح أو المجاملة حتى بدأت الكلمة بعد ذلك تحمل معنى كريهاً وذلك ابتداءً من الجيل الثاني من طغاة الإغريق.

وبعد الحديث عن الطغيان يعرّج المؤلف إلى الحديث عن باقي أفراد العائلة الكريهة وهم الاستبداد والدكتاتورية والشمولية والسلطة المطلقة والأوتوقراطية، خاتماً كل ذلك بالحديث عن آخر أفراد تلك العائلة وهو (المستبد المستنير أو العادل) وهو المصطلح الذي ظهر في القرن التاسع عشر في الفكر السياسي الأوروبي. ويذكر المؤلف بأن مصطلح (المستبد العادل) هو من الجمع بين المتناقضات، ذلك أن الطاغية أو المستبد يعني (الحاكم الظالم أو الجائر القاسي) وهو ما يتناقض مع الاستنارة أو العدل. وحسب تعبير الفرنسي (دوفرجيه) فكيف يمكن أن يوصف المستبد بأنه عادل أو الطاغية بأنه صالح أو الدكتاتور بأنه خيّر أو مستنير؟

صورة الطاغية في الفلسفة اليونانية

من الوسائل التي يلجأ إليها الطاغية للاحتفاظ بعرشه، تدمير روح المواطنة وزرع الشك وانعدام الثقة بين المواطنين، القضاء على البارزين من الرجال وأصحاب العقول الناضجة، وحظر التعليم، شرطة سرية وجواسيس، إفقار وزرع بذور الشقاق والحقد بين طبقات الشعب.

في الباب الثاني من الكتاب يعرض المؤلف لصورتين للطاغية في الفلسفة اليونانية، الأولى منهما هي (الطاغية في صورة الذئب) وهذه الصورة تمثّل نظرية أفلاطون الذي يعتمد في تحول الطاغية إلى ذئب على أسطورة يونانية تقول: إن المرء إذا ما ذاق قطعة من لحم الإنسان ممتزجة بلحم قرابين مقدسة أخرى فإنه يتحوّل حتماً إلى ذئب.

وقد أتى المؤلف بعرض مطوّل لنظرية أفلاطون مسبوقة بعرض تاريخي للقاء أفلاطون بأشهر الطغاة ومعرفته لهم عن قرب وعلى رأسهم أعتى طغاة الشرق وهو ديونسيوس الأول طاغية سيراقوصة الذي انتهى حاله معه إلى أن بيع في سوق العبيد واكتشفه أحد تلامذته واشتراه وأعاده إلى أثينا، وانتهى المؤلف إلى تحديد خلاصة فكرة أفلاطون وهي أن الطاغية الحقيقي هو في واقع الأمر عبد بلغ أقصى درجات العبودية ما دامت دوافعه الحيوانية هي التي تسيطر عليه وتدفعه إلى تملّق الناس.

وهو يقضي حياته في خوف مستمر ويعاني على الدوام آلاماً مرهقة، ويبدو أكثر الناس بؤساً، كما أن السلطة تنمي كل مساوئه وتجعله أشد حسداً وغدراً وظلماً، وأقلُّ أصدقاءَ وأشدُّ فجوراً وأمعن في احتضان كل الرذائل.

والصورة الثانية للطاغية في الفلسفة اليونانية تمثل نظرية أرسطو وهي (الطاغية في صورة السيد) حيث يعتقد أرسطو أن هناك أناساً مهيئين بطبيعتهم لأن يكونوا عبيداً، ذلك أن التفرقة بين الأعلى والأدنى موجودة في الطبيعة وفي جميع الأشياء، فالنفس أعلى من البدن وبالتالي كان من الطبيعي أن تسيطر عليه، ومثل ذلك العلاقة بين الإنسان والحيوان والعلاقة بين الذكر والأنثى، وينتهي أرسطو إلى الحكم على بعض الأجناس بأنهم رقيقو الطبع والبعض الآخر أحرار بالطبع، وقد خص الإغريق بأنهم سادة لا يجوز استرقاقهم، بينما الشرقيين هم بطبيعتهم عبيد، ولذلك أرسل إلى تلميذه الإسكندر الأكبر رسالة ينصحه فيها بمعاملة اليونانيين كقائد ومعاملة الشرقيين كسيّد.

ويعرض المؤلف للوسائل التي يعتقد أرسطو أن الطاغية يلجأ إليها للاحتفاظ بعرشه، والتي تبدو مألوفة لنا تماماً حتى في عصرنا الحاضر، فمن تدمير روح المواطنة وزرع الشك وانعدام الثقة بين المواطنين إلى القضاء على البارزين من الرجال وأصحاب العقول الناضجة، إلى منع الاجتماعات وحظر التعليم إلى اجتهاد الطاغية في أن تكون لديه معلومات منتظمة حول كل ما يفعله رعاياه وما يقولونه، وهو ما يعني أن تكون هناك شرطة سرية وجواسيس، إلى بذر الشقاق والنميمة والحقد بين طبقات الشعب، إلى آخر تلك الوسائل وهو إفقار رعاياه حتى ينشغلوا بالبحث عن قوت يومهم فلا يجدون من الوقت ما يتمكنون فيه من التآمر عليه.

منحوتة للفنان معتصم الكبيسي(جورنال الحرية)
مصدر  كتاب "الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي" للكاتب والمترجم المصري الدكتور "إمام عبد الفتاح إمام".
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.