الاستبداد والدكتاتورية والشمولية والسلطة المطلقة والأوتوقراطية.. عائلة الطغيان

قراءة في كتاب "الطاغية" للدكتور "إمام عبد الفتاح إمام" (2/2)

إذا كان الناس على دين ملوكهم، وإذا كان هؤلاء الملوك طغاة، فإننا نستطيع حينئذ أن ندرك لم الأب الشرقي طاغية والزوج طاغية والمعلم طاغية والمثقف طاغية والمتدين طاغية.

225
الأيام السورية؛ فادية الحاج فاضل

يبدو كتاب “الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي” للكاتب والمترجم المصري الدكتور “إمام عبد الفتاح إمام” من أهم الكتب العربية التي كتبت في هذا الموضوع بجرأة وتحليل جديين، وكان هذا الكتاب قد صدر بطبعته الأولى عام 1994عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، ضمن سلسلة عالم المعرفة، وقد تمت إعــــــادة طباعته ثـــــلاث طبعات جديدة، كانت آخرها الطبعة الرابعة والتي صدرت عن دار نهضة مصر في العام 2004، بمقدمة طويلة للمؤلف يذكرنا فيها بموقف أغلب الدول العربية وتعاملها مع الكتاب حين صدوره أول مرة: هذا الكتاب صودر في معظم الدول العربية، ومنع من دخولها لأنه زائر غير مرغوب فيه، بل جمعت نسخه في بعضها ودفعت الدولة ثمنها كاملاً غير منقوص ثم قامت بدفعها إلى المحرقة كما كانت تفعل محاكم التفتيش في العصور الوسطى… ومع ذلك فقد التهمت منه الأسواق العربية في وجبة واحدة ما يقرب من أربعين ألف نسخة في ساعات معدودات”.

ولأن موضوع الطغيان والطغاة في العالم العربي موضوع مألوف، ولأن أنظمة الطغيان هي الأصل في جميع الدول العربية، فلا عجب من أن يغدو هذا الكتاب موضوعاً حساساً لتلك الأنظمة حتى أصبح سبّ الطغيان هو سبّ لتلك الأنظمة بشكل مباشر.

ارتداء الطاغية لعباءة الدين

وفي الباب الثالث يتحدث المؤلف عن ارتداء الطاغية لعباءة الدين حيث يبتدئ بالحديث عن الحكم الثيوقراطي في بداية المسيحية والتي كانت تنظر إلى الحاكم المستبد على أنه سيف الله الذي ينتقم من الأشرار كأنه معصوم من الخطأ، وأنه حتى لو كان الحاكم الطاغية ظالماً فلا بد من تحمّله تطبيقاً للمبدأ المسيحي في عدم مقاومة الشر، كما أن اشتداد استبداد الحاكم وظلمه يمكن أن يفسر على أنه رحمة من السماء لمواجهة كثرة الشرور في العالم.

الهوّة كانت تزداد اتساعاً بين الواقع والمثال حتى اختفى المثال تماماً، وإن ظل في بطون الكتب وشروح المفكرين ونظرياتهم.

بل إن القديس جريجوري كان يرى أن من حق الطاغية أن يطيعه الناس، وليس ذلك فحسب، بل لا بد أن تكون هذه الطاعة صامتة وسلبية لهذا الحاكم الذي ما هو إلا ظل الله على الأرض. ثم يتحدّث المؤلف عن البروتستانتية وزعمائها وعلى رأسهم مارتن لوثر وجون كالفن ليذكر أنه لو افترض أن الطاغية طلب من رجال الدين أن يبرروا أمام الناس أفعاله الاستبدادية وسلوكه السيء، فإنه لن يجد أروع من المقدمة التي يبدأ منها زعماء البروتستانتية والتي هي أن الطبيعة البشرية فاسدة وأن الإنسان موجود ساقط وأنه خلق في الأصل على صورة الله ثم ثار وتمرّد على خالقه ودنس هذه الصورة بسقوطه، حتى أصبح بحاجة إلى كوابح وضوابط وبالتالي فلا بد للناس من إنسان يجبرهم على الطاعة، وطاعة السلطة خير في ذاتها وهي الركيزة الوحيدة التي تقوم عليها الحياة المستقرة الآمنة، وخلاصة هذا كله هو وجوب الطاعة العمياء للحاكم.

وبعد الحديث عن ارتداء الطاغية لعباءة الدين في المسيحية، يقوم المؤلف بالحديث عن هذه الفكرة في العالم الإسلامي والتي لم تكن تختلف عنها في المسيحية، ويفرّق المؤلف بين الدولة التي يقرّها الإسلام أو الصورة المثالية الرائعة للدولة الإسلامية كما يستخرجها الفقهاء والمفكرون من الكتاب والسنة (المثال) وبين الدولة الإسلامية على نحو ما ظهرت في مدار التاريخ (الواقع)، وبعد عرض لهذا الواقع التاريخي للدولة بتحولها من خلافة راشدة إلى ملكية مستبدة واستمرار الحال على ذلك طيلة التاريخ الإسلامي بعد ذلك، يخلص المؤلف إلى القول بأن الهوّة كانت تزداد اتساعاً بين الواقع والمثال حتى اختفى المثال تماماً، وإن ظل في بطون الكتب وشروح المفكرين ونظرياتهم.

ظاهرة الطغيان

التخلص من حكم الطاغية لا سبيل له سوى حل واحد وهو الديمقراطية، وأن الديمقراطية ممارسة وتجربة إنسانية ولا بد أن نتوقع ظهور كثير من الأخطاء في بداية المسيرة

في الفصل الأخير يعرض المؤلّف للنظريات التي فسّرت ظاهرة الطغيان عامة، والطغيان الشرقي بصفة خاصة، والتي منها نظرية أرسطو وهي أن الشرقيين ولدوا عبيداً، ونظرية أخرى تنظر إلى الطغيان بمنظور اقتصادي حيث تبرز دور العوامل الاقتصادية في نشأة الطغيان، ونظرية ثالثة وهي تحليلية نفسية ترد الطغيان إلى العلاقة (السادومازوخية) فالشخصية المستبدة سادية متسلطة تروض الجماهير الخانعة المازوخية.

لا سبيل سوى الديمقراطية

في ختام كتابه يأتي المؤلف إلى النتائج التي توصل إليها ومنها أن التخلص من حكم الطاغية لا سبيل له سوى حل واحد وهو الديمقراطية، وأن الديمقراطية ممارسة وتجربة إنسانية ولا بد أن نتوقع ظهور كثير من الأخطاء في بداية المسيرة، ولا يصح أن يقلقنا ذلك وليكن شعارنا: إن أفضل علاج لأخطاء الديمقراطية هو المزيد من الديمقراطية. كما يستنكر المؤلف ما يقال من أن الشعوب المتخلفة لا تستطيع أن تحكم نفسها بنفسها حكماً ديمقراطياً صحيحاً كما قال ذلك (ستيورات مل) أو أن الديمقراطية يستحيل تطبيقها في شعب أمي كما قال ذلك (رسل) ويسأل: ما البديل؟ ولا بديل إلا حكم الطاغية أو المستبد أو الدكتاتور أو ما شئت من أسماء. ثم يبين المؤلف بأنه إذا كان الناس على دين ملوكهم، وإذا كان هؤلاء الملوك طغاة، فإننا نستطيع حينئذ أن ندرك لم الأب الشرقي طاغية والزوج طاغية والمعلم طاغية والمثقف طاغية والمتدين طاغية.

منحوتة للفنان معتصم الكبيسي (مدونة الفنان)

إقرأ المزيد:

الاستبداد والدكتاتورية والشمولية والسلطة المطلقة والأوتوقراطية.. عائلة الطغيان

مطلقة وأم في السادسة عشر من عمرها.. والدي باعني وزوجي اغتصبني

التعصّب.. كيف باسم محاربته يتم تأجيجه

مصدر كتاب "الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي" للكاتب والمترجم المصري الدكتور "إمام عبد الفتاح إمام"
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.