الاستبداد حين يشوّه العلاقات الإنسانية

قراءة في رواية ابتسام تريسي “عين الشمس”

الكاتبة: ابتسام تريسي.

قراءة: أحمد العربي.

إصدار: الدار العربية للعلوم ناشرون/ط1. 2010.ورقية.

الرواية تتمحور حول بطلتها “بسمة” وما حولها عبر الزمن لخمسين عام، الشأن العام حاضر، بحيث تعتبر رواية سياسية بامتياز.

تبدأ الرواية مع بسمة التي التحقت بالجامعة، والتي تفتح وعيها وعاطفتها باتجاه زميلها “شمس” ذي التوجهات الماركسية، والذي قدم لها نموذجاً عاطفيا ممتلئا، شكّل ركيزة نفسيّة لها، استمرت معها كحب عميق كل العمر، وتعرّفت في الجامعة على زميل آخر “مثنى” من الإخوان المسلمين، والذي أحبّها أيضاً وعمل على أن يستحوذ عليها، عبر تصرفات أقرب للمراهقة والطيش واندفاع الشباب من تشكيك وكيد وتعنت والعجز عن البوح بما في نفسه. تخسر بسمة شمس حيث يتزوج من غيرها ويفترقا وفي قلبها غصّة، وليعمل مثنى بكل إمكاناته ليجعلها تحبه وتكون زوجته، لكن تطوّر الأمور السياسية في سوريا، أيام الصراع بين الإخوان المسلمين والنظام الاستبدادي السوري في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، يؤدي لاعتقال مثنى لأنه من الأخوان، واعتقالها هي لأنها على علاقة معه، وتدخل المعتقل وتحصل على نصيبها منه؛ ذل وتعذيب وإهانة واستباحة كرامة، ولتخرج بعد ذلك بواسطة من صديق والدها (أبو فراس رجل الأمن)؛ الذي أرادها عشيقة، ثمّ رحّلها للسويد، لتبدأ مرحلة جديدة من عمرها في الغربة، عرفت من يكون والدها، إنّه أحد المخبرين المعتمدين عند الأمن ومنذ زمن بعيد، الأب الذي كان ابن “ملاحظ أعمال” عند الإقطاعي في بلدتهم، والذي كان يريد من ابنه أن يتعلم ويكبر ليخدم الباشا مثل أبيه، وأن يتزوج ابنته الوحيدة إن أمكن، الوالد الذي عاش طفولة قلقة بين أب طموح لمكتسبات كبيرة، وابن تبنّى الموضوع كمكسب وانتهازية، تعلم في كتّاب القرية، ثم انتقل لحلب ليصبح رجل دين مجاورا للمسجد، وليدخل في خفايا حلب، دروب الرذيلة عبر بعض أصدقائه، ثم ليعود للقرية ويرسله والده ليتعلم المحاماة، و يُستدعى بعد سنة ليكون زوجا لفريدة ابنة الباشا، التي تزوجها ابن عمها الفرنسي لأيام وتركها وغادر دون عودة، وطلقها أيضاً، كان هو الزوج المأمون على الابنة والرزق الذي بقي بعد الحكم الجديد، حكم البعث الذي قضى على الإقطاع وغاب نجم الباشا وكل باشا، وكان الأب على موعد مع السجن لعلاقته مع الإخوان المسلمين أيام كان يدرس الدين في بداية الانقلاب الجديد في آذار 1963، سجن سنتين وخرج محمّلاً بإحساس الظلم.

في الرواية نتعرف على أزمة الإنسان عندما لا يمتلك الوعي ولا النضج، وابن البيئة الخطأ التي تعكس نفسها عليه طوال حياته، الإنسان الذي يستسلم لدوافع الشر وغرائزه، ويكون شرا على أخيه الإنسان.

تواصل معه رجل الأمن أبو فراس وزين له أمر العمل معهم، وأنّه يجب أن ينتقم لنفسه من الأخوان، ويؤمن مصلحته مع الأمن والسلطة، وأعاد الاعتبار له وربطه بعاهرة تخدم مع الأمن أيضاً، وتجعله تحت السيطرة أكثر. عند الوالد عقدة الفقر والنقص تجاه زوجته التي تكبره بعشر سنوات كما أنها  الأغنى منه، ولم يتحرر منها، كان يتصرف معها دوما بقسوة، يهينها ويذلها، كان البيت جحيما، رزق قبل الاعتقال بابنه الأول حمزة، ثم وبعد سجنه جاءت نسمة، ثم التوأم أيمن وأحمد، وتمرّ الأيام عليه حتى أحداث السبعينات وما بعد بين النظام والإخوان المسلمون، ويعيد الأمن استخدامه في مداهمة قريته، التي يدخلها الجيش فيُقتل من يُقتل ويُعتقل من يُعتقل، ويكون أولاده من الضحايا، وعندها اعتقلت نسمة من الجامعة وعلمت بعلاقة والدها مع الأمن، وأنّ والدها وراء المصير الأسود لمثنى وهو الإعدام في تدمر. تعيش بسمة أجواء القمع والاعتقال والتعذيب ثم لترحّل إلى السويد، غير متأسفة إلا على والدتها التي ستموت بحسرة أولادها، وخسارة بسمة حبها لشمس الذي فقدته في لحظة طيش. في غربتها ستلتقي بحسين العراقي، الفنان الهارب من العراق، والذي عاش مثلها أجواء القمع والإرهاب في بلاده، ترك وراءه أهله ولا يعرف ما مصيرهم، كان عليها أن تتزوج ولو شكلياً لكي تحصل على الإقامة هناك، كان حسين فرصتها. كما التقت هناك بمدرّسها الجامعي سابقا، مشلولا على كرسي متحرك، وبعد اللقاء عرفت أنّه ضحية أخرى للأمن رغم أنه من الطائفة الأخرى، فهو ماركسي معارض للنظام، اعتقل ودخل السجن وعذّب ليكون مصيره في سجن تدمر مع الإخوان المسلمين، يصف لها هول ما حصل هناك من قتل وتعذيب وهدر لإنسانية الإنسان، وكيف كان السجناء ضحية موت مجاني يومي حقير. أرادت بسمة أن تعوّض عن خطأ والدها بالزواج منه وحصل، لكن ومع مضي الوقت لم يحرره من عقدة الاضطهاد، وهو دائم التوتر والإساءة ثم الندم وطلب الغفران، وأصبح يشك بها وإنّها على علاقة مع حسين العراقي، لذلك تركته، كان حسين قد تزوّج، عاشت وحيدة لفترة من الزمن، ثم أعادها الشوق للحبيب شمس وللبلاد، وتحت الحاح أبيها المقعد، عادت لسوريا لتجد أبا مشلولا تعيله خادمة، عرفت فيها “زهرة” حبيبته في بداية الشباب، التي تركها ليظفر بأمها فريدة ابنة الباشا، نعم زهرة التي تزوجت وأنجبت وبقي لها ولد وحيد، أنقذ بعد هجمة النظام على القرية أيام الصراع مع الإخوان، وأرسل إلى الكويت ليعمل، وليضيع أثره بعد الاحتلال العراقي للكويت، ولتجد زهرة بوالد نسمة ملجأها الأخير رغم كونه مشلولا. لم تستطع بسمة أن تغفر لأبيها أبدا، دخلت على كمبيوتره وجدت شبكة أعماله مع الأمن، وتاريخا أسود عرفته أكثر، وعاشت لوعتها أكثر، ولم يبقى لها إلا شمس، بحثت عنه، وتواصلت معه، والتقيا مجددا وكأنهما لم يفترقا، هو عنده زوجة وطفلة، وهي عندها زوج عاد من الغربة وطالبها بحق الزوجية.
تنتهي الرواية بلقاء مع شمس لا ندري أهو وهمٌ أم حقيقة، تحسّ به قربها ويحتويها، ولكنها تصحو وتعود لحياة عاشتها مريرة، ومستقبل لا حضور للشمس فيه.

في الرواية صورة عن السلطة المستبدة في سوريا، تتحكم بالبشر وتحولهم لعبيد وضحايا وأدوات عند الحاكم، حسب الحاجة لأجل الفساد المقنن والمصنوع من النظام وأزلامه، وتحقيق مصالحه ودوام تحققها.

في تحليل الرواية نقول:

إننا أمام رواية محبوكة بدقة، تظهر الصنعة الأدبية بها بشدة، من خلال تقاطع المصائر، ولتكتمل الرسالة المراد لها أن تصل عبر الرواية.

في الرواية نتعرف على أزمة الإنسان عندما لا يمتلك الوعي ولا النضج، وابن البيئة الخطأ التي تعكس نفسها عليه طوال حياته، الإنسان الذي يستسلم لدوافع الشر وغرائزه، ويكون شرا على أخيه الإنسان.

في الرواية صورة عن السلطة المستبدة في سوريا، التي تملأ الفضاء الاجتماعي والسياسي والنفسي، تتحكم بالبشر وتحولهم لعبيد وضحايا وأدوات عند الحاكم، حسب الحاجة لأجل الفساد المقنن والمصنوع من النظام وأزلامه، وتحقيق مصالحه ودوام تحققها.

الرواية مليئة، وهي مكتوبة قبل الربيع العربي، وتجيب ضمنا عن السؤال:
لماذا ثرنا؟،وماهي ضرورات الثورة على النفس والمجتمع والنظام؟.


ابتسام تريسي-فيسبوك

ابتسام تريسي، روائية سورية متميزة، تنتمي للثورة السورية، تتابع عبر عملها الروائي رصد واقع الثورة السورية وواقع النظام الاستبدادي والمجتمع السوري من زوايا مختلفة، قرأنا أغلب رواياتها وكتبنا عنها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.