الاختفاء القسري في سوريا_ أطلقوا نشطاء الحرية

بقلم: عبد الرحمن مطر _

ثمة ما يمكن اعتباره إرثاً متراكما، شفاهياً ومقروءاً يتم التداول به على نطاق واسع، يتصل بإقرار الحق، في تغييب الآخر و إزاحته، لأي سبب من الأسباب، وفي مقدمتها الاختلاف، وفي اشدها الاختلاف في الرأي، والمجاهرة بالقول. هذا هو حال السوريين اليوم، حيث يتوج نظام البعث الأمني السدي نصف قرن من الاستبداد المتصف بإزاحة المثقف وتغييبه، بمشهد يستحضره مثالاً في أداء ذلك. أعني التشكيلات المتشددة المسلحة في الساحة السورية، بدءاً بتشكيلات النظام الأمنية، مروراً بكل فصيل استقوى على الآخر بسبب الرأي والموقف، وصولاً الى صنيعة الاستبداد المتحالف مع أصوليات أمنية غربية:
الدولة الإسلامية – داعش وأخواتها.

وإذا كانت الطغمة الحاكممة في دمشق، لم تتوقف عن الملاحقات الأمنية، والاعتقال، والإختطاف والتغييب، والقتل في المعتقلات والسجون، طوال سنوات سيطرتها الدامية، ولم تخفف في اي وقت او مرحلة من ضغوطاتها بحق الجماعات والمجموعات والأفراد، الذين يصح إطلاقنا عليهم، قوى المجتمع المدني الحيّة في سورية، منذ عام 1964.

على العكس من ذلك: للنظام إرثه المنهجي السلوكي الذي يعتد به، من حيث شدته ونجاعته. وفي ذاكرة السوريين، تاريخهم وحاضرهم، نقلات نوعية للنظام بارتفاع وتيرة القمع والاضطهاد والإخفاء القسري للمواطنين السوريين، وغيرهم من العرب، لبنان وفلسطين في رأس القائمة، تغييباً طويل الأمد لعشرات الآلاف المغيبين، بلا أدلة على أماكن وجودهم أو استمرار حياتهم.

بالمقابل، تندرج مروحة كبيرة من التنظيمات والتشكيلات، في توصيف التورط بجرائم حرب، في مقدمها تغييب قسري متعمد، منظم ومقصود، وبوسائل عديدة، لمئات من نشطاء العمل المدني: حقوقيون، كتابا وصحفيين، أدباء، وعاملين في مجالات تربوية وإغاثية..وأطباء.

هذه تشكل أفعالها خطورة استثنائية متنامية. بدءاً من اواخر 2012 بدأت تمارس التشكيلات العسكرية ذات الطابع الاسلامي، سياسة فرض الأمر الواقع على المجتمعات المدنية، التيتقع تحت سيطرتها نتيجة انسحاب النظام، أو دحره منها، أو انها منطقة رخوة بين الطرفين. وأخذت بمعاقبة من يتجرأ على توجيه النقد لها، أو الاختلاف في الرؤية.

وبالقطع كان المؤمنون بالعمل المدني بمختلف أنساقه – وهو الوجه الحقيقي للثورة السورية – هدفاً مباشراً لعمليات الإقصاء، المضايقة والتحقيق بما يجبره على مغادرة المنطقة، وصولاً الى الاعتقال وما يعرف بالتشويل.

الصمت على مرحلة التشويل كان بمثابة الإقرار بحق تلك الجماعات ان تفعل ماتراه، بالوسائل التي تمتلك دون رادع. على العكس جعلت تلك الجماعات ” المتسلطة – المسلحة ” من عمليات التشويل، تكميم مبتكر للأفواه، و ليس هناك من يمنع التصفية الجسدية.
من يطلق عليهم الكفار العلمانيون. هم اقرب الضحايا للسكين والقيد. وتحت هذا التصنيف يمكن إدراج كل المؤمنين بسلمية الثورة ومدنية المجتمع، ومستقبل سوريا المتعددة الديمقراطية.

الصمت على تلك الممارسات / الانتهاكات الموصوفة للحقوق والحريات، هي ما ساهمت بتسييد هذه الجماعات، ونشر ثقافة الرعب والترهيب، بقسوة لا مثيل لها.

ثمة ماهو مشترك بين كل هذه القوى مع نظام الأسد، في أنهم جميعاً ومنذ قيام الانتفاضة / الثورة ، كان النشطاء المدنيون هدفاً للاعتقال والتصفية..الخطف والتغييب. تمتلأسجون الأسد بكوادر المجتمع المهنية المثقفة، المدركة والواعية لما يجب أن تقوم به في الحياة العامةن ولهم دور بنّاء وتأثير مباشر في مجتمعاتهم المحلية.

اإتيال عدنان وهبة، وتغييب واعتقال أبو علي المير، وعبدالكريم الخير ورفاقه، المحامي خليل معتوق، والعديدمن الأدباء والكتاب والمحامين والأطباء، خاصة الشباب.

وبالمقابل اختطفت واعتقلت وغيبت الجماعات المتشددة المتسلحة، المئات من النشطاء الذين لم يستطع النظام الوصول إليهم، مثال اختطاف المحامية رزان زيتونة والنشطاء العاملين في مركز توثيق الانتهاكات سميرة الخليل، ناظم حمادي، ووائل حمادة، من قبل جيش الإسلام الذي يتزعمه زهران علوش. تم الاختطاف في دوما، في يوم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

وهذا يعني توجيه رسالة حادة ومباشرة، لكل نشطاء الحرية، يعيدها على مسامعنا بالأمس الجولاني حين لايعير لقضية الحرية اي اهتمام.

الدلالة ذاتهان في صورة أخرى، عملية اختطاف المحامي عبدالله الخليل، بكل ما كان له من تأثير ونشاط متميز منذ اندلاع الثورة، وجهوده المنظمة المؤسساتية. لقد اختطف أول رئيس لمجلس محافظة الرقة بعد التحرير مباشرة.

ثم توالت القائمة في الرقة على وجه خاص، فضمت قائمة المغيبين المختطفين رموزاً في العمل المدني ومن دعاة الحرية والديمقراطية: الدكتور اسماعيل الحامض، ابراهيم الغازي، فراس الحاج صالح، مهند الفياض، الأب باولو..وكثيرون آخرون.

أحرار الشام، وجبهة النصرة، وداعش تالياً، هم المسؤولون المباشرون عن أعمال الاختفاء القسري في المناطق التي أخضعوها بقوة السلاح لسيطرتهم. الأمر ذاته ينطبق على إغلاق الجمعيات، والصحف، ومراكز التنمية، إضافة الى اختطاف واعتقال وقتل في ريف إدلب حيث كانت هناك أولى تجارب المجالس المحلية، التي حوربت بشدة، وفي أرياف حلب وحماة ايضاً. فقد أقصي النشطاء السياسيون والحقوقيون والإعلاميون عن المشهد الوطني هناك، واضطر معظمهم للنزوح بسبب ذلك.

وحتى اليوم، لا يزال هؤلاء النشطاء مغيبون، في ظل مايشبه إطباق الصمت وإسدال الستارة السوداء وحجب قضيتهم عن التداول العام.

مايحدث هو ان مجتمع الثورة السورية، يبدو وكانه تخلى عن هؤلاء، سوى نداءات مليئة بالأمل والأسى من ذويهم، وأصدقائهم، يواصلون البحث عنهم وانتظارهم، والتذكير بهم من حين لآخر.

ولم يحدث ان تطور الوعي الجمعي السوري، ليجعل من قضية المعتقلين خلف القضبان او في سجون الظلامية، قضية وطنية بامتياز.

الأمنيات لا تقدم شيئاً لأولئك الذين ينتظرون منا فعلاً مؤسسياً وقانونياً، لدعم قضية حريتهم، بتحسيس السوريين اولاً بفداحتها، واهمية ان يكون الإفراج عنهم في مقدمة اي تفاوض.

أن يرفعوا صوتهم الغائب في المحافل الدولية علّها تفعل شيئاً من أجل وقف تعذيبهم وقتلهم، الذي يحدث يومياً..بصمت.

أي عملية اختفاء قسري، هي انتهاك للحقوق والحريات، وهي جريمة ضد الإنسانية، مدانة..ويستوجب سوق فاعليها الى المحاكمة.
الاختفاء القسري، مضافاً إليه الخطف والاعتقال دون أسباب الذي تمارسه قوات البي ي دي، وسلطات الأمر الوقع في تل ابيض، والحسكة والقامشلي، مستمر بصورة متعمدة، لارادع قانوني او اجتماعي له حتى الآن.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.