الاختراق الأمني في الثورة السورية: البطولات الخارقة

بقلم: د أسامة الملوحي

 لينين قبل استتباب الأمر للثورة البلشفية في عام 1917كان مقر قيادته في فنلندة وخرج إليه أحد رفاقه لاهثاً رثّاً مُخضّباً بعد أن عبر الحدود مع روسيا بصعوبة ودخل ^35739DBF15CEDAD6D6D9F9B3023E83CE0D0A697C650CF342D1^pimgpsh_fullsize_distrعليه باكياً وقال: ” لقد دوهم مقرنا من الحرس الأبيض القيصري وقُتل ثلاثون وقُبض على عشرين ونجوت أنا وحدي “…فأصغى لينين إلى تفاصيل بطولته الخارقة ونجاته العجيبة ثم هدّأ من روعه وطلب منه أن يستريح في الغرفة المجاورة وبعد خروجه أمر أحد الرفاق بتصفيته على الفور…وكان في ذلك إشارةً واضحةً من لينين لكل الرفاق أن لا يَثقوا بالروايات الخارقة وببطولات “السوبرمان”.

وفي سوريا بعد دراسة أكثر الأعمال البطولية التي حصلت في الثورة السورية وجد الدارسون أنها كانت حقيقيةً ومذهلةً وبنفس الوقت كانت تضحياتها جسيمةً وشهداؤها كُثر وتفاصيلها واقعيةً ومنطقيةً إلى حد كبير…وعندما استعرضوا بعض الروايات المنقولة التي فيها أرقام كبيرة “خيالية” وفيها أفعالٌ خارقةٌ حارقةٌ واشتغلوا للتحقق منها ومن تفاصيلها توصلوا إلى نتائج قطعية بوجود الكذب بأنواعه فيها:

اكتشفوا كذب المبالغة والتهويل, واكتشفوا كذب التلميع وصناعة البطل الأسطوري واكتشفوا كذب القلب الكامل للحقائق…

وبدراسة الدوافع المحتملة تراوحت الأعراض و الإشارات ما بين التهويل لإثارة التشويق والشدّ في الرواية وبين الجهد المحترف لتمرير الخرق الأمني الذي يتفنّن في خداع الشباب الثائرين بما يُشبع أمنياتهم وتصوراتهم عن “القدوة” لإقناعهم بشخص فرد أو مجموعة مُخترقة يسيرون خلفها أو معها طائعين.

واستطاع الدارسون أن يرجّحوا تواطؤ وعمالة أحد المشهورين بالشطحات والروايات الخارقة وحذّروا منه سراً وعلناً ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً وأجدى ذلك التحذير مع كثيرٍ من الثائرين حتى أعلن هو نفسه منذ شهور العودة إلى حضن وطنه ” بشار الأسد”.

وبعض القصص التي كَشفت كذب أصحابها فعلاً تحدثت عن قفزة واحدة بسلام من عدة طوابق إلى الأرض ونجاة صاحب القصة ومقتل تسعة من إخوانه , وبعضها تحدث عن انفجار دبابة بطلقة مسدس , وواحدة تحدثت عن تفجير ناقلة جند بقذيفة آر بي جي عن بعد 2كم رغم أن أقصى مدىً للقذيفة هو 500م.

وتم استعراض أحداثٍ كثيرةٍ حصلت في سورية أثناء مواجهات الثمانينات وكان الأبرز الدالُّ في هذا الجانب مقتل هشام جمباز قائد الطليعة المقاتلة في صيف عام 1980 بعد أن قاده أحد عملاء المخابرات السورية المُخترِقين لتنظيم الطليعة…قاد هذا العميلُ المجموعةَ التي وثقت به كفرد منها من أبناء المنطقة…قاد هشاماً وإخوانه إلى مزرعة له وسط بساتين الميماس في حمص ثم جلب مئاتٍ من عناصر المخابرات وأفرادٍ من القوات المتمركزة في الكلية العسكرية لتحاصر المزرعة وتقتحمها بعد ساعات عديدة من مقاومة المُحاصَرين .

وظل “الزلق” العميل لسنوات يروي روايةً أسطوريةً بطوليةً خارقةً يُحدّث فيها عن نجاته وحده من القوم الظالمين و”استشهاد الإخوة”, وبعد أن اُستدرج إلى مكان “غير آمن له” في عام1985 وواجهتْهُ الأدلةُ اعترف وسُجل اعترافه وحُوسِب.

 وبقي أمام المشتغلين أمرٌ هامٌ طُرح مراتٍ عدّة في جلسات البحث , ويتم تداوله بكثرة في أوساط الثائرين ألا وهو نصرةُ الله لعباده المؤمنين الذين يواجهون الباطل في سورية بمدد من الملائكة , أو بما فيه خرق للقوانين والسنن التي أمضاها رب العزة في الأرض وتسري على كل البشر.

فلما كانت معركة بدر الكبرى هي أهم معركة وأخطر معركة خاضها المسلمون الأوائل وكان النبي صلى الله عليه وسلم بين المسلمين قائدا ومقاتلا , وثَبُتَ في هذه المعركة نزولُ الملائكة و تدخّلهم في المعركة وقد أُخْبِرَ النبي بتدخل الملائكة بالآيات الكريمة التي نزلت بعد المعركة , وقبل المعركة كان النبي يُحكِم الأسبابَ ويشتدُّ بالدعاء والطلب حتى قال قولة عظيمة فريدة : “اللهم إن تهلك هذا العصابة فلن تُعبد في الأرض”.

وكان الأهم والأوضح في هذا الأمر حقيقية تقول : (لقد كانت نتيجة المعركة انتصاراً هائلاً عظيماً للمسلمين ولكن أرقام نتائجها لم تكن خارقة ولا أحداثها أسطورية….لقد سقط من المشركين سبعون قتيلاً وسقط من المسلمين أربعة عشر قتيلاً…لقد كانت أرقاماً واقعيةً منطقيةً غير خارقةٍ ولا أسطوريةٍ وليست كالذي روى أن بطلاّ خرج عليه ثلاثون فارساً فقتل منهم خمسين وجرح منهم سبعين وفر الباقون).

و للاستدلال أكثر عن واقعية ومنطقية الأرقام في نتيجة معركة بدر يكفي أن نُذكّر أن عدد قتلى المسلمين في أُحُدْ كان سبعين وقتلى المشركين اثنين وعشرين قتيلاً.

وفي معركة الأحزاب ذكرت الآيات أن المدد أتى للمسلمين بالريح العاصفة الباردة وبجنود لم يرها المسلمون…ومع كل ذلك كانت الأرقام في النهاية مع هزيمة وانسحاب الأحزاب: (تسعة قتلى في صفوف المسلمين وأربعة فقط في صفوف المشركين الأحزاب)…ولم نسمع أبدا بشطحات وبطولات “سوبرمانية” خارقة في كل المعارك الأولى ولو حَقَّتْ لكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أولى بها.

البطولات الخارقة للعادة والنجاة الأسطورية علامتان كبيرتان قد تكشف وراءهما خروقات كبيرة لابد من كشفها , أو تزويرات مؤذية مُضللة تساعد في ترسيخ الخداع واتباعٍ للوهم وصانعيه , أو تواكلٍ انتظاريٍ خطيرٍ قد يُعَطِّلُ الأخذَ بالأسبابِ وإحكامِ العملِ ويكون من ورائه وهنٌ وهزيمةٌ.

وفي الملحمة السورية لن يكون المدد من الله إن حصل بصورة وأرقام تزيد عما كان للنبي صلى الله عليه وسلم بكل تأكيد…لقد وجد الباحثون أن كل انتصار وكل إنجاز تمَّ في سوريا إنما كان بالدم والتضحيات والصبر المديد العظيم مع عون الله الجليل في كل أمر وحين… و لكنْ لم يُطيِّرْ أحدٌ الأفيالَ ولم يخرقْ أحدٌ الأرضَ ولم يبلغ أحدٌ الجبالَ طولاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.