الاتجار بالبشر: بزنس الهجرة والعبودية

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

يتزايد الاتجار في البشر في جميع أنحاء العالم، وقد باتت تديره عصابات المافيا على نطاق واسع وممنهج، ويأخذ أبعاد مروعة وفقاً لمكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة.

والسؤال، لماذا يقع الناس ضحية التهريب والاتجار. المنظمة الدولية للهجرة (IOM) وجامعة بيدفوردشير في المملكة المتحدة، أجرتا دراسة مشتركة، استمرت عامين حول الموضوع، استمعت من خلالها لشهادات عديدة لأشخاص من نيجيريا، وفيتنام، وألبانيا، والمملكة المتحدة، عانوا من الإتجار في البشر، وتلك من أكثر الدول التي تنشط فيها تلك التجارة. الدراسة هدفت إلى فهم الاحتياجات ونقاط الضعف.

خلص التقرير إلى أن؛ ضحايا الاتجار بالبشر هم ممن عانوا من أوضاع اجتماعية ومادية سيئة، دفعتهم لترك المنزل والتعلق بحبال الوهم، رغبة بتغيير أحوالهم وإيجاد فرصة لحياة أفضل.

“لوبا” وهي فتاة ألبانية، عانت سوء معاملة من أمها وزوجها، فلم تتردد بقبول دعوة رجل إيطالي للسفر معه إلى إيطاليا بعد أن أوهمها بحبه، لينتهي بها المطاف إلى الاستغلال الجنسي.

امرأة من نيجيريا قالت، “يحدث ذلك لأننا فقراء، ليس لدينا أي شيء، لهذا سافرت” أوهمها رجل كغيرها من آلاف النساء، أن بإمكانها إيجاد عمل بسهولة كمربية أو نادلة في أوربا، وتكسب من المال ما يكفي لتبدأ حياة جديدة، فتقع تحت الاستغلال الجنسي والعبودية.

فتاة أخرى أقنعوها بترك المدرسة والسفر للعمل في ماليزيا كنادلة، ليطلبوا منها عند وصولها إلى مالي، العمل في البغاء كي تسدد الديون التي ترتبت عليها.

أخريات يهربن من بيوتهن بسبب الإيذاء الذي يتعرضن له، وبعدها لا يجرؤن على العودة، ويبقين مطاردات من الجوع والتشرد وصائدي النساء.

الرجال من فيتنام يرهنون بيوتهم ليوفروا تكاليف الرحلة التي قد تستغرق ثمانية أشهر، يتعرضون من خلالها للحبس والضرب أحياناً، وتتراكم عليهم ديون السفر، يهَددون بإيذاء عائلاتهم. إن خطر الإعادة من المملكة المتحدة دون سداد هذه الأموال من شأنه أن يجعلهم عرضة للخطر مرة أخرى في بلدهم الأم، الأمر الذي جعلهم يعملون في حالات استغلال في المملكة المتحدة.

نمو الإتجار في البشر استفاد من ارتباطه بالعصابات الدولية الكبرى في تعزيز الأرباح عبر السيطرة على بعض القطاعات الاقتصادية أكثر من قطاع تجارة المخدرات كما كان يحدث في السابق

أما النساء من أوربا الشرقية وألبانيا خاصة (المستهدفة بالدراسة) يوهمون بالحب ووعود الزواج والاستقرار والحياة الناعمة، وهؤلاء بالغالب قد تعرضن للإيذاء أو العنف الجنسي، وليس لديهم فكرة عن الحياة الصحية، فينخدعون بسهولة.

وتستخدم عصابات الاتجار في البشر شبكة الإنترنت لإغواء الضحايا، وتقديم وعود حول وظائف براقة في بريطانيا والحصول على تعليم مميز، لاستجلابهم قبل أن يفاجؤوا بأنهم عرضة للعمل بشكل متواصل وفي ظروف شديدة القمع.

وأوضح ويل كير مدير الجهاز الوطني لمكافحة الجريمة في بريطانيا، أن الظاهرة تفشت في بريطانيا لدرجة أن المواطنين العاديين يتعرضون للاحتكاك ببعض الضحايا يومياً.

وأكد أن نمو الإتجار في البشر استفاد من ارتباطه بالعصابات الدولية الكبرى في تعزيز الأرباح عبر السيطرة على بعض القطاعات الاقتصادية أكثر من قطاع تجارة المخدرات كما كان يحدث في السابق”

قدرت منظمة NRM البريطانية الوطنية عدد ضحايا الاتجار بالبشر في المملكة المتحدة حوالي 7000 شخص، لكن برأيها عدد غير المسجلين رسمياً أكبر بكثير.

جمعية كريستيان أكشن للبحوث تقدر وجود حوالي 136000 شخص ضحايا العبودية الحديثة في المملكة المتحدة، غير معترف بهم رسمياً. ووفق منظمة العمل الدولية، عدد الأشخاص الذين يتم الاتجار بهم في العالم، حوالي 40,3 مليون شخص.

توصي المنظمة الدولية للهجرة بمزيد من العمل في المملكة المتحدة على ملف العبودية الجديدة، ليس فقط لتحديد الأفراد الضحايا، إنما تقديم الدعم لهم وإبقائهم في مكان آمن حتى إعادة اندماجهم بالمجتمع. في الوقت الحالي يحصل الضحايا على 45 -90 يوماً مساعدة لإعادة الاندماج، وهذا غير كاف برأي المنظمة الدولية، والذي يحصل، أن الشخص بانتهاء مدة المساعدة يخرج من المركز إلى الشارع، ليتجه ثانية إلى الشخص الذي استغله، كونه السبيل الوحيد لكسب المال ومتابعة الحياة.

“يان فيليب شوتس” مراسل دويتش فيله الذي عمل في جنوب الصحراء الكبرى لعدة سنوات، أصدر كتاباً حول الموضوع بعنوان “الاتجار بالبشر: بزنس الهجرة والعبودية” سلط من خلاله الضوء على ظاهرة الاتجار في البشر من أوربا إلى إفريقيا، تحدث فيه عن سجون تديرها شبكات التهريب، يتعرض فيها المحتجزون إلى أشكال فظيعة من التعذيب، يعاملون كعبيد، بعض التجار يتواصلون مع عائلات المحتجزين، ويطلبون فدية لتحريرهم. الذين تمكنوا من العودة إلى وطنهم، يحملون مرارة التجربة والخيبة والآثار النفسية التي خلفتها، لا يستطيع ولا يريد أغلبهم التحدث عن رحلته، لتبقى المخاطر غير واضحة للآخرين الراغبين بالهجرة، ومنهم يغادرون أوطانهم ويقبلون المخاطرة إلى “الفردوس الأوربي”، معتقدين أن الحظ سيحالفهم، وأنهم يسلمون أمرهم على الله وهو سيحميهم، ولن يلقوا مصير أصحابهم.

ورغم أنه بات معروفاً في أوربا أن الناس تتعرض وتباع في المزاد العلني وتقتل، ورغم أنهم وعدوا بنقلهم بشكل قانوني إلى أوربا، إلا أن العملية تسير ببطء شديد، القليل من الدول مستعدة لاستقبالهم

تحدث عن نساء تعرضن للاغتصاب والاستغلال الجنسي، ومنهن تم عرضهن للبيع في المزاد العلني لبيوت الدعارة في ليبيا أو أوربا، بالنسبة للنساء ينشط المهربون من البلد الأصلي، بخداع النساء، وتقديم وعود بإيصالهم إلى أوربا بطرق ميسرة، وأحياناً دون مقابل؛ وحال وصولهم يجبرن على ممارسة الدعارة بموجب عقود “عبودية” تلزم المرأة على سداد 40 ألف يورو من عملها في الدعارة حتى تحصل على حريتها. هذه التجارة ليست حديثة، لكنها كانت تدار من مجموعات صغيرة، والآن أصبحت أكثر تنظيماً ووحشية، وتديرها شبكات مافيا. الرجال أيضاً يتم استغلالهم جنسياً من قبل بعض التجار، لكن هذا الموضوع لا يزال من المسكوت عنه، إلا أن الكثير من الذكور الناجين لمّحوا إليه دون الخوض في تفاصيل.

يحمّل شوتس المسؤولية بذلك من جهة للدول الأوربية من خلال نفاقها في ملف الهجرة، فهي من جهة تؤكد على حق اللجوء، ومن جهة تضع كل العراقيل لتمنع وصول المهاجرين، كما ساهمت الاتفاقيات التجارية غير العادلة مع الدول الإفريقية في إفقار المزارعين الأفارقة، ومن جهة للشركات الأوربية التي تتعامل مع النخب الفاسدة لاستغلال موارد الدول الغنية في إفريقيا؛ ومن جهة أخرى للنخب الإفريقية التي يتوجب عليها تحمل مسؤولية خلق فرص أكثر لمواطنيها، كما عليها العمل على استعادة مواطنيها وحمايتهم.

لجنة النساء اللاجئات Women´s Refugee Commission حصلت على شهادات من ناجيين/ات وصلوا إلى إيطاليا، أخبروا عن تعذيب جنسي للرجال والنساء، وعن طلب فدية كبير من عائلة المحتجز/ة، وبحال عن الدفع يتم بيعهم أو قتلهم. إن كانت نتيجة الدراسة ليست بجديدة، لكن التفاصيل كانت أكثر من مخيفة؛ تلك الانتهاكات ترتكب في معسكرات رسمية مدعومة وممولة من الاتحاد الأوربي.  ورغم أنه بات معروفاً في أوربا أن الناس تتعرض وتباع في المزاد العلني وتقتل،

رغم أنهم وعدوا بنقلهم بشكل قانوني إلى أوربا، إلا أن العملية تسير ببطء شديد، القليل من الدول مستعدة لاستقبالهم، لحد أن المفوضية العليا للاجئين قالت؛ “على هؤلاء الأشخاص البقاء في مراكز الاحتجاز إلى أن يتم إيجاد مكان لهم”، رغم ظروف الاحتجاز التي تفتقر إلى أي من المعايير الإنسانية. يرى كوب وهو ناشط حقوقي في منظمة بر أزول؛ أن الاتحاد الأوربي لا يفعل شيئاً، ما يهم الدول الأوربية هو عدم وصول لاجئين إلى أرضهم،

وتطالب منظمة برو أزول الاتحاد الأوروبي بخطة إنقاذ تحرر الناس من هذا الوضع. “يتعين على القارة الجادة بشأن الحق في اللجوء أن تفتح طرقًا، ولأنه لا وجود لهذا الطريق يسافر الناس عموما إلى جحيم ليبيا”. ويلخص كوب: “هذه هي قاع سياسة اللاجئين الأوروبية”.

تعبيرية-المصدر: صدى البلد
مصدر المنظمة الدولية للهجرة  DW
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.