الإنسان والمدن… قيمة لا تأتي من فراغ ولا تستحدث من العدم

الأيام السورية؛ علي الأعرج

بعد المظاهرات التي ابتدأت في سوريا بفترة، وقام النظام حيالها بحشد آلياته العسكرية لاعتقال المتظاهرين، وبعدها حملة ضخمة لضرب الحركة المسلحة، وابتدأت هجمة تدمير المدن وتراثها، بدأت طروحات الفلسفة المجتمعية من قبل الناس تظهر على السطح عند البعض، وكان من أهم هذه الطروحات، مسألة تفاضلية تقول: أيهما أهم بالبقاء على حساب الآخر، وأيهما يستحق أن نرفض إبادته مقارنة بالآخر، إبادة المدن وتاريخها الثقافي والتراثي، أم قتل الإنسان وتدميره كلياً؟

إن مجرد الطرح بهذا الشكل وفرزه بهذه الصورة، يصيب أي شخص بالغثيان، إنه بدقة طرح فاشستي، فتدمير المدن وتراثها وموت البشر، كلاهما مرفوض بشكل مطلق، لكن على الجانب الآخر، كان هذا الطرح يمتلك وجهة نظر مقبولة من ناحية نظرية، وجهة النظر تلك، تعتمد في حضورها على تفاضل القيمة الذهنية التي تقول الآتي:

تدمير المدن يعني إلغاء التاريخ والثقافة، تاريخ العمارة والبناء، الذي ينتمي تلقائياً إلى تاريخ متنوع من التجارب الفلسفية والفنية لصراعات أسست هذه المدن وأعطتها طابع لا يوجد في أي دولة أخرى. تدمير المدن يعني تغيير الذاكرة الجمعيّة الفلسفية في الجيل القادم، لا إثبات مستقبلي على تاريخية التنوع والانتماء إذا ما أُبيدت.

أصحاب هذا الطرح كانوا متخوفين من فكرة بلد بلا هوية، فالهوية بالنسبة لهم لا تُعطى من سلطة أو إنسان على قيد الحياة، بل من المدينة نفسها بتراثها القائم.

في الطرف المقابل كان هناك من يرى أن تدمير المدن ليس مشكلة كبرى إذا ما قورن بقتل الإنسان، فالمدن نمط تأخذ حضورها من الوعي البشري وثقافته التي تعتمد على شيء أكثر تحليلية، ومقصود به الثقافة والنص والفن الحركي، وهؤلاء كانوا أقرب للرؤية الوجودية، فالإنسان هو القيمة الذي يعطي للهوية معنى من خلال استمراريته، والمدن يمكن إعادة أعمارها بشكل حداثي.

اليوم لم يعد هناك لا مدن ولا إنسان. لقد أُبيد الجميع.

تدمير المدن يعني إلغاء التاريخ والثقافة، تاريخ العمارة والبناء، الذي ينتمي تلقائياً إلى تاريخ متنوع من التجارب الفلسفية والفنية لصراعات أسست هذه المدن وأعطتها طابع لا يوجد في أي دولة أخرى. تدمير المدن يعني تغيير الذاكرة الجمعيّة.

لكن وقوفنا عند تلك الفترة بذلك الطرح، يحقق لنا فهم التفكير الاجتماعي داخل سوريا، بمرحلة مختلفة عن تاريخها بأسره، مرحلة هياج شعبي مستعد لنفي كل شيء مقارنة بحق البشر في حياة كريمة. اليوم نحن عاجزون عن تحقيق شيء حقيقي، لكن من المهم أن نفهم تفاصيل التجربة وآلية تفكيرها بفترة ما.

عندما تم طرح هذه المعضلة الذهنية في أواخر 2012، لم يكن أحد متخيل أن يصل النظام إلى ما وصل إليه من إبادة البشر والمدن والتاريخ وتغيير الديموغرافيا بأسرها. كان طرحاً ثقافياً ساذجاً، لكنه يحمل رؤية رومانسية وصادقة في علاقة الناس الذهنية مع الأرض والواقع. في 2012 لم تكن ردود الأفعال على ما يجري رؤية دينية كما هي اليوم. كانت المسألة كما قلنا منقسمة عند البعض ناحية الأسواق التراثية التي تتدمر والكنائس والجوامع والبيوت التاريخية التي تحدد طابع تلك المدن وهوية البشر من خلالها، فالبشر يولدون ويكملون الهوية الثابتة لكن المدن لا تعود كما كانت. أصحاب النزعة الوجودية كانوا يعتبرون هذا الطرح أشبه بالرؤية الفاشية للحياة وقيمة الإنسان.

هذا النمط بالتفكير لا يمكن أن يكون وليد نزعة آنية، أو آتياً من عدم، بالتأكيد له آلية مرتبطة بالوعي الاجتماعي تاريخياً وثقافياً. إننا نستمد الهوية من المدينة، بغض النظر عن سياسة السلطة المُتبعة في التقسيم الإقليمي.

في معرض حديث لأحد المتظاهرين قال في إحدى المرات: “بالتأكيد لا نقبل موت الناس، لكن دمار الأرض سيؤدي قطعاً لدمار الإنسان، عندما لا يكون لك هوية ثقافية فلا أهمية لوجودك الإنساني الذي سيكون عبارة عن فعل غريزي فقط. النسل لا ينقطع لأنه غريزة، لكن التاريخ يمكن أن يُصاب بالعطب”.

وجهة نظر ذلك الشخص، مرتبطة تماماً بالتضحية بالإنسان على حساب الهوية. قد يبدو طرحاً براغماتياً، لكنه يحمل دلالة صمود أكبر من وجود البشر الذين يمارسون التناسل دون معنى أو إعطاء قيمة لمستقبل سوريا سوى من خلال أننا بالاسم سوريين، لكن الهوية ببساطة قد تصبح ألمانية أو فرنسية أو تركية، لأن الوعي البشري يتأثر بالواقع المحيط. اليوم نرتبط بهذا الفعل الغريزي من الاستمرار، وما شكل الهوية الذي يتم الدفاع عنه إلا تحديد ضئيل للهوية السورية التصارعية، من زاوية دينية.

مثل ذلك الطرح بكل ما يحمله من براغماتية نظرية، لكنه يدلل على أن هؤلاء الناس الأكثر بساطة كانوا يمتلكون نزعات جدلية فلسفية دون أن يكونوا فلاسفة، قادرين على التفكير والحوار ولو أن خيالهم كان قاصراً في فهم النظام السوري ودمويته.

إذا مجمل الطرح في المعضلة السابقة لم يكن عبثياً، ذلك التخوف كان دقيقاً ولو أنه ساذج بطريقة التعاطي معه. النظام خلال تسع سنوات لم يكن ليكترث بالمدن ولا بالإنسان، ما يهم كانت السلطة فقط، لا تعنيه القيمة، وفي مرحلة متقدمة من الثورة لم يعد مهماً للحراك المسلح أيضاً. لم يعد يملك أي مفهوم إزاء القيمة من ناحية المدينة والإنسان، ولو أنها في كلتا الجهتين تُبرز مشاريع طرح إعلامي أن الدفاع هو عن الإنسان أولاً وأخيراً.

مفهوم القيمة إزاء المدينة والإنسان، تلاشى كلياً اليوم، أصبحت المسألة صراع ونفوذ، لكن الطرح، رغم أنه لا يجدي الآن، ما زال حاضراً ليحدد لنا أن السوريين بفترة، ـ يجب ألا تُنسى ـ لم يكونوا أشخاصاً همجيين كما يتم الترويج لهم اليوم في الإعلام العالمي، ولم يكونوا أشخاصاً سلفيين.

مثل ذلك الطرح بكل ما يحمله من براغماتية نظرية، لكنه يدلل على أن هؤلاء الناس الأكثر بساطة كانوا يمتلكون نزعات جدلية فلسفية دون أن يكونوا فلاسفة، قادرين على التفكير والحوار ولو أن خيالهم كان قاصراً في فهم النظام السوري ودمويته.

اليوم يُنظر لنا كشعب عالم ثالث مزقته الحرب نتيجة غباءه، وليس نتيجة نزعته العقلانية والطبيعية بفهمه العميق لحرية الإنسان وأرائه التي تتفوق على أي شخص في أي دولة ينظر للسوري ككائن بدائي.

أعتقد أنه من المهم اليوم أن نكتب عن أفكار جالت ضمن الثورة وطروحات قيلت، بغض النظر عن أهميتها أو صحتها، لأنها تحدد طبيعة تفكير تاريخي لشعب بدأ بالاندثار والتحلل اليوم، وجزء كبير تخندق في المعنى التصارعي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.