الإنسانية في أبهى صورها

مقبوسات من كتاب النبي لجبران خليل جبران

يعتبر كتاب “النبي” من أهم الكتب التي ألفها جبران خليل جبران، وضع فيها خلاصةُ ما توصَّلَ إليه، وعصارةُ تجارِبه الذاتية ونظرته الحياتية؛ فقد ضمَّنَه كلَّ آرائه في الحياةِ والموت، الطعامِ والشراب، الحبِّ والزواج، وغيرها.

ميرا اليازجي

حين يكتب «جبران» عن نبيِّه تتجسَّد القِيَم والمعاني الإنسانية التي تسمو بنفسها على أيِّ دينٍ أو عِرقٍ أو لون؛ إنها الإنسانية في أبهى صورها.

يعتبر كتاب “النبي” من أهم الكتب التي ألفها جبران خليل جبران، وضع فيها خلاصةُ ما توصَّلَ إليه، وعصارةُ تجارِبه الذاتية ونظرته الحياتية؛ فقد ضمَّنَه كلَّ آرائه في الحياةِ والموت، الطعامِ والشراب، الحبِّ والزواج، وغيرها.

اعتبر جبران كتاب النبي “ولادتَه الثانية” التي ظلَّ ينتظرها ألف عام. ويسرد جبران آراءَه على لسان الحكيم “المصطفى” الذي ظلَّ بعيدًا عن وطنه اثني عشر عامًا، وعاش بين سكان جزيرة “أورفاليس” كواحدٍ منهم، منتظرًا عودته إلى مسقط رأسه. وحينما ترسو السفينة ويحين موعدُ رحيله يرجوه سكانُ الجزيرة أن يخطب فيهم؛ فكانت خطبةُ الوداع التي لخَّصَ فيها مذهبه.

نجح جبران في كتابه في أن يتجاوز حدودَ ديانته، ليُرسيَ دعائمَ إنسانية تحترم الإنسانَ لكونه إنسانًا لا لأيِّ عاملٍ آخر.

1/
كيف أنصرف من هذه المدينة بسلام، وأسير في البحر من غير كآبة؟ كلَّا! إنَّنِي لن أبرح هذه الأرض حتى تسيل الدماء من جراح روحي؛ فقد كانت أيام كآبتي طويلة ضمن جدرانها، وأطول منها كانت ليالي وحدتي وانفرادي، ومن ذا يستطيع أن ينفصل عن كآبته ووحدته من غير أن يتألم في قلبه؟

2/
أما أنتم، الذين يتناولون العطاء والإحسان ـ وكلكم منهم ـ فلا تتظاهروا بثقل واجب معرفة الجميل؛ لئلا تضعوا بأيديكم نِيرًا ثقيل الحمل على رقابكم ورقاب الذين أعطوكم، بل فلتكن عطايا المعطي أجنحة ترتفعون بها معه؛ لأنكم إذا أكثرتم من الشعور بما أنتم عليه من الدَّين، فإنكم بذلك تظهرون الشك والريبة في أريحية المحسن الذي أُمُّه الأرض السخية، وأبوه الرب الكريم.

3/
تعرفون أن الرجل المنتصب والرجل الساقط على الأرض هما بالحقيقة رجل واحد واقف في الشفق بين ليل ذاته الممسوخة ونهار ذاته الإلهية. وأن حجر الزاوية في الهيكل ليس بأعظم من الحجر الذي في أسفل أساساته.

4/
إن كانت الطاغية تودون خلعه عن عرشه فانظروا أولا إن كان عرشه القائم في أعماقكم قد تهدم. لأنه كيف يستطيع طاغية أن يحكم الأحرار مفتخرين، مالم يكن الطغيان أساساً لحريتهم والعار قاعدة لكبريائهم؟

5/
تصلين في ضيقك وعند حاجتك.. ولكن، حبذا لو أنك تصلين وأنت في كمال فرحك وترحك ووفرة خيراتك.. وهل الصلاة غير تمدد ذاتك في الأثير الحي.. فإدا كنت تتعزين في أن تسكبي فيه فجر فؤادك، وإذا كنت لا تستطعين أن تمسكي عن البكاء عندما تدعوك نفسك إلى الصلاة، فالأجدر بنفسك أن تنخسك بمنخس حاد مرة بعد مرة على رغم الدموع المتساقطة على وجنتيك لكي تأتي إلى الصلاة فرحة باسمة.

6/
الفرح هو الترح الساخر. فرحكم هو ترحكم ساخراً، فنفس البئر التي طالما نستقي ماء ضحكنا منها طالما نجدها مليئة بدموعنا الساخنة، وهل لنفس المكان قدرة على أن يكون بغير هذا، فكلما أعمل وحش الحز بأنيابه في أجسادنا تضاعفت الأفراح في قلوبنا، لأنها كمثل النشوة التي نشربها من كأس كان قد خرج من فرن الخزاف قبل أن يصل إلينا، وكمثل القيثارة التي تبعث الطمأنينة في أرواحنا، وهي من نفس الخشب الذي قطع بالسكاكين والفؤوس، لذلك علينا أن نتأمل فرحنا ملياً في أعماق قلوبنا لنجد أن ما أحزننا من قبل هو ما يفرحنا الآن.

7/
إذا أعطيتَ فإنك تعطي القليل مما تملك، ولكن لا قيمة لما تعطيه ما لم يكن جزءاً من ذاتك، لأنك بذلك تعطي من ثروتك ليس إلا، أليست الثروة مادة فانية تخزنها وتحافظ عليها خوفاً من أن تحتاج لها في الغد؟؟ والغد ماذا يستطيع أن يقدم للكلب البالغ الفطنة والذكاء الفطري الذي يطمر العظام في الرمال تحسبا لحاجته لها غداً، أو ليس الخوف من الحاجة هو الحاجة بعينها، أو ليس الظمأ الشديد للماء عندما تكون بئر الظامئ لها مليئة هو العطش الذي لا تروى غلته؟

8/
ما أكثر ما سمعتكم تتحدثون عمن أذنب من بينكم وكأنه ليس منكم، بل غريب عنكم دخيل على دنياكم .أما أنا فأقول لكم أن التقي والصالح لا يمكنه أن يتسامى على أرفع ما يكون في نفس كل منكم، كذلك الفاسق والمتخاذل لا يمكنه أن يهبط دون ما هو فيكم أيضاً. وكما أن ورقة الشجرة لا تصفر إلا بعلم كامن من الشجرة كلها، كذلك الآثم لا يأتي الخطيئة إلا بإرادة مستترة منكم جميعاً.
كأنكم معاً تسيرون في موكب تنشدون ذاتكم النورانية، ذلك أنكم السبيل وأنتم أيضاً سالكوه، ولئن سقط أحدكم سقط من أجل من يسيرون خلفه، فيكون نذيراً لهم يجنبهم حجر العثرة. أجل إنه يسقط أيضاً من اجل من تقدموه، أولئك الذين لم يطرحوا حجر العثرة، وإن كانوا أشد منه سرعةً وأثبت قدماً.

9/
أي عقاب تُنْزِلون بذلك الذي يقتل الجسد مرة ولكن الناس يقتلون روحه ألف مرة؟ وكيف تطاردون الرجل الذي مع أنه خدَّاع ظالم بأعماله، فهو موجع القلب ذليل مُهان بروحه؟

10/
كيف تستطيعون أن تعاقبوا الذين لهم من توبيخ ضمائرهم، وهو أعظم من جرائمهم، أكبر قصاص على الأرض؟ أليس توبيخ الضمير هو نفسه العدالة التي تتوخاها الشريعة التي تتظاهرون بخدمتها؟
فأنتم لا تستطيعون أن تسكبوا بلسم توبيخ الضمير في قلوب الأبرياء، كما أنكم لا تقدرون أن تنزعوه من قلوب الأشقياء؛ فهو يأتي لذاته في ساعة من الليل لا ننتظرها.

بورتريه جبران خليل جبران (مجلة تدوين)

11/
إذا فرحتم فتأملوا مليًّا في أعماق قلوبكم تجدوا أن ما أحزنكم قبلًا يفرحكم الآن.
أحبوا بعضكم بعضا، لكن لا تقيدوا المحبة بالقيود، بل لتكن المحبة بحرا متموجا بين شواطئ أنفسكم.

12/
المحبة لا تُعطي إلا نفسها، ولا تأخذ إلا من نفسها. المحبة لا تَمْلك شيئًا، ولا تريد أن يملكها أحد؛ لأنَّ المحبة مكتفية بالمحبة. فإنَّ الْمَحبَّة منذ البدء لا تعرف عمقها إلا ساعة الفراق.

13/
لأن الحياة هي التي تعطي للحياة في حين أنَّك ـ وأنت الفخور بأن قد صدر العطاء منك ـ لست بالحقيقة سوى شاهد بسيط على عطائك.

14/
إنَّ أولادكم ليسوا أولادًا لكم. إنَّهم أبناء وبنات الحياة المشتاقة إلى نفسها، بكم يأتون إلى العالم، ولكن ليس منكم. ومع أنهم يعيشون معكم، فهم ليسوا ملكًا لكم.
أنتم تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكن لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم؛ لأن لهم أفكارًا خاصة بهم.

15/
من الناس من يعطون القليل من الكثير الذي عندهم، وهم يعطونه لأجل الشهرة، ورغبتهم الخفية في الشهرة الباطلة تضيع الفائدة من عطاياهم. ومنهم من يملكون قليلا ويعطونه بأسره. ومنهم المؤمنون بالحياة وبسخاء الحياة، هؤلاء لا تفرغ صناديقهم وخزائنهم ممتلئة أبدًا.

16/
ابنِ من خيالك مظلَّةً في الصحراء قبل أن تبني بيتاً في داخل أسوار المدينة لأنه كما أن لك بيتاً مقبلاً في شفق حياتك كذلك للغريب الهائم فيك بيتاً كبيتك.

17/
أن تنهض عند الفجر بقلب مجنح خفوق، فتؤدي واجب الشكر ملتمسًا يوم محبة آخر.

18/
فإن شئتم حقاً أن ترفعوا الحجاب عن كُنْه الموت فافتحوا قلوبكم على مصاريعها لكيان الحياة؛ لأن الحياة والموت واحد كما أن النهر والبحر واحد.

19/
فإذا رغبتم بالحقيقة في أن تنظروا روح الموت، فافتحوا أبواب قلوبكم على مصاريعها لنهار الحياة.

20/
أنتم الأقواس وأولادكم سهام حية قد رمت بها الحياة عن أقواسكم. فإن رامي السهام ينظر العلامة المنصوبة على طريق اللانهاية، فيلويكم بقدرته لكي تكون سهامه سريعة بعيدة المدى. لذلك، فليكن التواؤكم بين يدي رامي السهام الحكيم لأجل المسرة والغبطة. لأنه، كما يحب السهم الذي يطير من قوسه، هكذا يحب القوس الذي يثبت بين يديه.

21/
إذا صمت صديقك ولم يتكلم فلا ينقطع قلبك عن الإصغاء إلى صوت قلبه.

22/
بالعمل تُحققون جُزءًا من حُلم الأرض البعيد، جُزءًا خُصص لكم عند ميلاد ذلك الحُلم”

23/
أليس الزمن كالحبِّ نفسه، لا ينقسم ولا يُقاس؟

24/
إن الفكر طائر من طيور الفضاء، يبسط جناحيه في قفص الألفاظ ولكنه لا يستطيع أن يحلق طائرًا

25/
فإذا اشتغلت فما أنت سوى مزمار تختلج في قلبك مناجاة الأيام، فتتحول إلى موسيقى خالدة.

من مؤلفات جبران خليل جبران(مرسال)
مصدر جبران خليل جبران، النبي
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.