الإفادة الإيجابية من السّيرة الشعبية وعلاقتها بالأجناس الأدبية الأخرى

السيرة الشعبية في التراث العربي (2/9)

هذه القراءة لأهمية أدبنا الشعبي هي دعوة لاستكمال منظومة اهتمامنا بالتراث، واستعادة ما تناثر منه واستنطاق المسكوت عنه في الأدب الشعبي الذي يحمل الكثير من الحقائق التي ينبغي مواجهتها بصراحة وقوة.

سلام محمد

العناية بالأدب الشعبي المضطهد تاريخيًا. وربما حتى يومنا، تساعد على كتابة التاريخ الحقيقي لشعوبنا العربية؛ لأن ما نملكه الآن هو تاريخ سلطوي اعتنى بالتأريخ لحاكم على حساب الشعب المحكوم، والأدب الشعبي التلقائي البعيد عن المحاذير السلطوية اكتنز الحقائق السياسية وحقيقة الممارسات العقدية والعادات والتقاليد.

 

الإفادة الإيجابية من التراث

كما أنّ الاستعانة بالأدب الشعبي ستساعدنا على فك كثير من طلاسم الحياة الفكرية والعرقية لأسلافنا الأقدمين، وستساعدنا على تسكين أوجاع الخلافات الداخلية في بعض أفكارنا العربية كلبنان وسوريا والعراق والسودان…، فالأدب الشعبي الأسبق إبداعًا ووجودًا بخاصية التأليف الجمعي ـ وهي سمة الفنون البدائية ـ فهو الأسبق إلى فكرة تراسل الفنون التي يلجأ إليها الأدب الرسمي اليوم، بحثُا عن التطور في بنيات النصوص، وكذلك في تطوير مهارات السرد واختلاق الشخصيات كنماذج راسخة في أذهان المتلقين.

وإذا كانت القاعدة التأسيسية للبناء الحضاري تعتمد على الإفادة الإيجابية من التراث كما يقول د. محمد نجيب التلاوي؛ فإننا لن نبلغ من الدقة منتهاها إذا أسقطنا الأدب الشعبي من مفهوم التراث وهو أقدم من الأدب الرسمي، وهو الذي يجسد التاريخ الحقيقي للشعوب، والذي يمثل توظيفه في الأدب الفصيح تيارًا رئيسيًا كشفت عنه دراسات التناص الحديثة التي أكدت الامتداد المؤثر للأدب الشعبي في أصلاب الأدب الرسمي بكل أجناسه قديمًا وحديثًا.

إن هذه القراءة لأهمية أدبنا الشعبي هي دعوة لاستكمال منظومة اهتمامنا بالتراث، واستعادة ما تناثر منه واستنطاق المسكوت عنه في الأدب الشعبي الذي يحمل الكثير من الحقائق التي ينبغي مواجهتها بصراحة وقوة.

 

علاقة السيرة بالأجناس الأدبية الأخرى

تختلف السيرة عن الملحمة في سمات كثيرة، أهمها الخلو ممّا يخالف المعتقد الإسلامي، كتعدد الآلهة وتوالدها مثلا، ولكن هناك نقاط تشابه بينهما فهي أي (السّير) كذلك ، شديدة الطول، وأن الأبطال فيها يتميزون بالشجاعة الخارقة، كما تختلط الأحداث التاريخية بكثيرٍ من الخُرافات والأساطير، فضلاً عن اتساع رقعة الميدان الذي تتحرك فيه الوقائع والشخصيات، كذلك فللجن والسحر والمعجزات والكرامات، والرؤى والنبوءات الصادقة، وجود في تلك السِّير.

ويدافع د. أحمد شمس الدين الحجاجي عن السيرة الشعبية بوصفها نوعًا أدبيًا “من أنواع الأدب العربي الذي أُهمل، أو أُغفل؛ ذلك لأنه لم يندرج ضمن الأنواع الأدبية المعروفة، وقد اشترك في هذا الإهمال كثير من الباحثين، عربًا كانوا أم غير عرب. وقد أدى ذلك إلى التهاون في جمع نصوصها، فضاعت النصوص التي كانت تُروي في الأربعينيات عن عنترة، وسيف بن ذي يزن، والمهلهل، بوفاة رواتها. كما ضاع كثير من النصوص المختلفة لسيرة بني هلال لوفاة رواتها”.

وينفى د. الحجاجي أن تكون السيرة رواية، حيث إن السيرة فن “نبت وتطور وارتقى قبل أن تظهر الرواية وغيرها من الأنواع الأدبية، فإضافة لفظ رواية لعمل له قوانينه الخاصة التي استقرت، يُعَدُ إضافة بعيدة عن الموصوف؛ فالرواية فن لم يستقر بعد،…، ولا يمكن تطبيق قواعد فن لم يكتمل على فن اكتمل منذ أمد بعيد”.

وانطلاقا مما ذكرناه عن أهمية السير الشعبية في الأدب والحياة معاً، ومما لها من أثر راسخ في وجدان الناس في كل العالم العربي؛ سوف تقوم “الأيام” بنشر مقالات على شكل حلقات، في كل حلقة، تتناول فيها سيرة من السير الشعبية، وذلك للتعريف بها، من حيث الموضوع والبطل والشخصيات، وكذلك من حيث الأحداث والزمان والمكان.

مصدر محمد حسن عبد الحافظ، الحوار المتمدن المجلس العلمي، د ابراهيم عوض، الموسوعة التونسية مجلة الجسرة الثقافية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.