الإعلام والسلطات السياسية في زمن كورونا

هل ساهم انتشار فيروس كوفيد19 في خلق فرصة لتعزيز الاستبداد وتراجع الديمقراطية؟

128
الأيام السورية؛ سلام محمد

اجتاحت جائحة كورونا العالم، وهو يعيش في حالة “ركود ديمقراطي” كما يقول الباحث لاري دايموند. ووفقا لتقارير مؤسسة فريدوم هاوس  Freedom House التي تعنى بشؤون الديمقراطية، تعاني الديمقراطية في العالم من انحسار مستمر منذ 14 سنة.

كما أنه صار من البديهي القول: إنه عندما تتدخل المصالح السياسية ، تحدث صدامات بين السلطات ووسائل الإعلام، وكانت منظمة “مراسلون بلا حدود” عبرت عن قلقها من استخدام حكومات بعض الدول لأزمة كورونا كذريعة لتحجيم حرية الإعلام. وأضاف بيان المنظمة أنه منذ بدء أزمة كورونا، شكك العديد من المراسلين والصحفيين في الأرقام الرسمية التي أعلنتها بعض من الدول، منتقدين نقص التصنيف في زمن كورونا.

استغلال الأوبئة والكوارث

توفر الحروب والكوارث الطبيعية والثورات والأوبئة تاريخيا، الفرص للحكام في الدول التي تفتقر إلى الأنظمة الديمقراطية، أو تعيش في ظل مؤسسات ديمقراطية ضعيفة، لاستغلال هذه الظروف غير الطبيعية، لتعزيز صلاحياتهم، والاستيلاء على أكبر قدر ممكن من السلطات التنفيذية لفرض حالات الطوارئ بحجة التصدي للتحدي الكبير الذي تواجهه البلاد، واستخدام هذه الصلاحيات بشكل اعتباطي أو استبدادي على حساب السلطات التشريعية والقضائية، ولفرض قيود خانقة على الحريات العامة باسم حماية المصالح الوطنية، و تُظهر نسخة 2020 من التصنيف العالمي، لمنظمة مراسلين بلا حدود، وجود علاقة بين قمع حرية الصحافة في سياق وباء فيروس كورونا وموقع الدول على جدول الترتيب. ذلك أن هذه الأزمة الصحية تحمل في طياتها فرصة للدول الأسوأ مرتبة من أجل تكثيف إجراءاتها القمعية وهجماتها على الصحافة أو حتى لفرض تدابير من المستحيل اعتمادها في سائر الأوقات.

حكومات متعددة وذريعة واحدة

من جانبه، قال المعهد الدولي للصحافة إن الحكومات في دول العالم استغلت جائحة كورونا لزيادة القيود المفروضة على حرية الإعلام.

في تقرير بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، قال المعهد  إن الأزمة الصحية التي يواجهها العالم أتاحت الفرصة للدول الديمقراطية والاستبدادية، بزيادة سيطرتها على وسائل الإعلام، تحت ذريعة محاربة نشر معلومات مضللة ومغلوطة.

وجاء في التقرير أن الدول الاستبدادية لطالما استغلت قوانين الطوارئ لخنق وسائل الإعلام المستقلة وتجريم الصحافة، أما في فترة الجائحة، فإن الدول الديمقراطية أيضا باتت تبذل جهودا أكبر للسيطرة على الإعلام وتقيد إمكانية الوصول إلى المعلومات حول تفشي الوباء.

وأعلن المعهد ومقره في فيينا، عن توثيقه لـ 162 حالة خرق لحرية الصحافة خلال شهرين ونصف شهر الماضي، وكلها تتعلق بأزمة تفشي فيروس كورونا، ونحو ثلث هذه الانتهاكات، كانت عبارة عن اعتقالات للصحفيين أو احتجازهم أو توجيه الاتهام لهم.

من يحفظ سلامة الصحفيين؟

كانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) دعت الحكومات إلى الحفاظ على سلامة الصحفيين حيث صرح معزّ شقشوق، مساعد المديرة العامة لليونسكو لقطاع الاتصال والمعلومات، بأنه “تقع على عاتق الحكومات وأصحاب القرار مسؤولية ضمان سلامة الصحفيين عند تغطية أي أزمات صحية أو اجتماعية مترتبة على الوباء، وذلك بموجب المعايير الدولية المتعلقة بحرية التعبير.”

وأشار شقشوق لأهمية الحفاظ على حرية الإعلام في الوقت الحالي مضيفاً: “في أوقات الأزمة الصحية، لا يمكن المغالاة بأهمية التغطية الصحفية الدقيقة والموثوقة.”

صورة تعبيررة (الشروق)

كيف استفادت السلطات من انتشار الوباء

عَلَّق فيروس كورنا الديمقراطية التشاركية والمُباشرة في العديد من الأماكن، بدءا من سويسرا، فقد تم الإيقاف المؤقت لحملات لَجِمع التواقيع لاستفتاءات واقتراعات قادمة،  وفي الولايات المتحدة، حيث انصَبَّ الاهتمام السياسي على الاستعداد لانتخابات 3 نوفمبر (على منصب الرئاسة، والآلاف من المناصب والقضايا الأخرى أيضاً)، تم تعليق مُعظَم التجمعات الخاصة بجمع التوقيعات والحملات الانتخابية. وفي شيلي، حيث أطلق المواطنون العام الماضي عملية مُراجعة شاملة للدستور الوطني في عهد بينوشيه، تم تعليق الاستفتاء الخاص بهذا المسألة، الذي كان من المقرر إجراؤه في 26 أبريل.

وحتى في ظل نظام حكم أوتوقراطي انتخابي مثل روسيا (التي جاء ترتيبها هذا العام في الموقع 179 من 202 دولة في تقرير أصناف ديمقراطية المنشور حديثاً)، مَكَّن الوباء فلاديمير بوتين من تأجيل استفتاء استشاري كان من المُزمَع إجراؤه في 22 أبريل، والذي كان سيقدم للشعب تغييراً قانونياً يَسمح له بأن يصبح رئيسا مدى الحياة.

وفي إسرائيل، قام رئيس الوزراء «بنيامين نتانياهو» بتعطيل عمل القضاء الإسرائيلي، ونجح بذلك في تأجيل محاكمته، كما نجح في تعطيل عمل الكنيست (البرلمان). أما بريطانيا، ذات التقاليد الديمقراطية العريقة، فقد أقر البرلمان بسرعة خارقة قانونا يعطي الوزراء صلاحيات غير اعتيادية تسمح لهم بتوقيف وعزل الأفراد لفترات مفتوحة، ومنع التجمعات، وإغلاق المطارات والمرافئ من دون مراقبة البرلمان أو إشرافه.

إفراط في استخدام السلطات

في خطابها يوم 23 أبريل، أشارت المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» مباشرة إلى القيود المفروضة بسبب فيروس كورونا، باعتبارها «تحديا للحقوق الديمقراطية»، وحذرت أيضا من أن الديمقراطيات الليبرالية يجب أن «تفرق بين حماية السلامة العامة والإفراط في الحدود المقبولة للسلطة السياسية».

وفي هذا الصدد، قال «فلوريان بيبر» في مجلة «فورين بوليسي» إن «الجائحة قد تؤدي إلى تراجع خطير في الديمقراطية حول العالم؛ ولا بد أن تظهر الديمقراطيات الليبرالية الحاسمة ضبط النفس واليقظة».

قمع تحت غطاء الحماية

مما لا شك فيه أن نقاط الضعف في الحكومات الديمقراطية الليبرالية والمنظمات المتعددة الجنسيات تمثل فرصة للحكومات لتعزيز سلطتها وقمع قوى المعارضة تحت غطاء حماية الصحة العامة. وفي هذا السياق، كتبت رئيسة منظمة «بن أمريكا» المهتمة بتعزيز حرية التعبير وحقوق الإنسان في مجلة «نيويوركر» أنه «لطالما استخدمت حالة الطوارئ في العديد من الدول الغربية كذريعة للحد من حرية التعبير تحت اسم الحفاظ على سرية البيانات ومنع الوقوع في براثن الخيانة ومساعدة المجهود الحربي».

وقالت «فلوريان بيبر»، في «الواشنطن بوست» إنه «في البداية، كان القادة الشعبويون والأوتوقراطيون غير مهيئين للتصدي لهذا الوباء، ولطالما كان هناك لديهم حالة من الازدراء للعلوم والخبرات، إلى جانب ما يعتريهم من محسوبية وإهمال لمؤسسات الدولة، بما في ذلك المتعلقة بالرعاية الصحية، ولعل هذا الأمر جعل الحكومات التي يديرها رؤساء أمثال الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، والرئيس المكسيكي «أندريس مانويل»، والرئيس البرازيلي «جاير بولسونارو»، أكثر عرضة للتضرر من تداعيات جائحة فيروس كورونا».

حالات طوارئ أبدية

تبين التجارب السابقة، أن حالات الطوارئ والقوانين المتشددة التي تفرض خلال الأزمات الخانقة، تبقى بمعظمها سارية المفعول حتى بعد نهاية الظروف التي سمحت بإقرارها. وللتذكير حالات الطوارئ التي فرضت “مؤقتا” في بعض الدول العربية بقيت سارية المفعول لعقود من الزمن. وعلى سبيل المثال فرض الرئيس المصري الراحل حسني مبارك حالة الطوارئ بشكل مؤقت بعد وصوله إلى الحكم، ولكنها بقيت سارية المفعول لثلاثين سنة.

مصدر منظمة مراسلون بلا حدود، المعهد الدولي للصحافة، اليونسكو، منظمة الصحة العالمية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.