الإخوان المسلمون العرب بين المرشد الأعلى وابن رشد -د. محمد مرعي مرعي

سأبدأ بمقارنة مبسّطة بين المرشد الأعلى للشيعية الفارسية الذي كرّس فلسفة وتعاليم ترتكز إلى الأساطير والخيال البشري عبر غرس مفاهيم صاحب الزمان والمهدي المنتظر وثأر الحسين وأولوية خلافة علي بن أبي طالب( ر) مع طقوس سلوكية تتظاهر بالذقون والشوارب للرجال والشادور للنساء والمجموعات المسلحة كالباسيج وأحزاب الله وشعارات العداء لأمريكا وإسرائيل واليهود والإسلام السني،الأمر الذي أوجد خلفه قطيعا بشريا تخلى عن العقل والتفكير النقدي والتحليلي كون ذلك المرشد وامتداته هو المرجع في كل شيء في الحياة والممات،و ألغى وجود الآخر المعارض له من البشر واعتبر محاربته جهادا للقضاء على وجوده بالسلاح.
بالمقابل ، كرس الفيلسوف العربي الإسلامي ابن رشد دور العقل البشري والتفكير النقدي والتحليلي والأحكام المنطقية في كل شيء ، واعتمد لغة الحوار والحجة والبرهان العقلي في كل حالة فكرية وسلوكية وممارسة عملية ، الأمر الذي أوجد خلفه بشرا يفكرون ويحلّلون ويتحاورون ويتواجهون ويقبلون بعضهم بعضا رغم كل الاختلاف في الآراء والمعتقدات ووجهات النظر ، ولم يترك شيء بما يسمى المرجعية كمرشد أعلى أو مرشد أصغر أو ما شابه ذلك لأن كل انسان له عقل يرجع له في أفعاله وسلوكه وتفكيره استنادا إلى أحد دعائم الدين الإسلامي : لا كهنوت في الإسلام .
استنادا إلى هاتين التركيبتين في البنى العقلية والفكرية والسلوكية ، تمترس اتباع ما يسمّون أنفسهم ممثلي الإسلام السياسي العربي وبالتحديد الإخوان المسلمين العرب …
اتبع اخوان المشرق العربي ( سوريا ، مصر ، الأردن ، فلسطين ، العراق ، دول الخليج العربي ، اليمن ، ) تركيبة المرشد الأعلى الشيعي الفارسي في بنية الإسلام ( عقائد وتعاليم وشعائر وسلوك ومظاهر وممارسات وأفعال ) سواء الخفاء أو بالعلن ( الذقون والشوارب للرجال ، الملحفة توأم الشادور للنساء ، المجموعات المسلحة نظيرة الباسيج وأحزاب الله وشعارات العداء لأمريكا وإسرائيل واليهود والقومية العربية والعلمانية الشيوعية وغير ذلك ..) تيمّنا بأن هذا النموذج سيسهل لهم الحصول على السلطة كل في بلده كما حصلت عليها الشيعية الفارسية ضد شاه ايران مع إلغاء كل طرف مخالف لرأيهم في بلدانهم وقتله بأي وسيلة متوفرة .
بينما اتبع إخوان المغرب العربي ( تونس والمغرب ) تركيبة البنى العقلية والسلوكية التي أرساها ابن رشد (أرسى ابن رشد فلسفته وأفكاره في بلاد المغرب العربي والأندلس ) وذلك عبر حرية الرأي والسلوك والعمل والحياة وقبول الآخر والحوار معه للوصول إلى قواسم مشتركة يتم عبرها بناء الإنسان والمجتمع والوطن وكافة ركائز الحياة ، ولا أعرف إن كان مصادفة أيضا تزامن حصول السيد راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي وليس له اسم المرشد على جائزة ابن رشد الفكرية منذ شهر تقريبا ؟؟؟.
كي لا أدخل في سجالات فكرية تقسّم العرب المسلمين بين فسطاطين : فلسفة النقل المطواعية الجامدة وفلسفة العقل النقدية التحليلية المتطورة ، أقول هنيئا للشعب التونسي الذي يتفاخر دوما بأنه سلسل مدرسة ابن رشد الفكرية ، وحقا أثبت هذا الشعب أنه قادر على الوصول إلى حريته وديمقراطيته وبناء حياته ومجتمعه واقتصاده ودولته عبر حوار بنّاء وهادف من كل مكوناته التي قبلت بعضها بعضا بروح المواطنية وحرية الذات والآخر ، دون أي ذكر للتمايز بأن حركة النهضة الإسلامية التوجه الحقيقي هي الحق وغيرها الباطل أولا وجود سوى للحق الذي تمثّله .
في حين أن ما يسمون أنفسهم الإخوان المسلمون في دول المشرق العربي كافة اتبعوا حرفيا نموذج الشيعية الفارسية التي لا تقبل في الحياة والوجود سواها ، والموت لغيرها كائنا من يكن لأنهم أصحاب الزمان الأولياء الفقهاء في الحياة الدنيا والوكلاء على المسلمين حتى في الآخرة ،لذلك لم يقبلهم سوى حفنة من البشر في المشرق ممن ينتفعون منهم مالا وسلعا ورشى .
لماذا فشل الإخوان المسلمون في دول المشرق ، ونجح الإسلاميون في بلدان المغرب العربي؟
يتحكّم في عقل وسلوك وأفعال الإخوان المسلمين في دول المشرق العربي أنهم أولى بالسلطة منذ 70 عاما من كل الأنظمة الموجودة التي اختلست الحكم منهم في غفلة ويجب إعادة السلطة لهم كونهم الحق بأي وسيلة مع إلغاء كل من يقف في طريقهم،وتلك النزعة لاجتثاث ( مصطلح شيعي فارسي عراقي ) واستئصال كل مكونات المجتمع المخالفة لهم جعلت الجميع يقف في وجههم ولا يقبل بوجودهم بالسلطة وبحكم الدولة والمجتمع مهما كان وهذا ما حصل . ولم يراجع إخوان المشرق العربي نهجهم الفاشل بل كانوا يعيدون ما سبق ويفعلوه ويفشلوا في كل مرة مع ضرورة اصرارهم على قتل وإلغاء جميع من يخالفهم على الرغم من بعض ادعاءاتهم المضللة والكاذبة في بعض الأحيان بأنهم يقبلون غيرهم ، وخير دليل على ذلك عندما استلم إخوان مصر الحكم كانت أول زيارة لرئيس الإخوان هي لإيران وأول زائر لمصر هو رئيس إيران مع تلفيق تبريرات دعائية لبروتوكولية الزيارات حينذاك . هم لم يراجعوا مسيرتهم الفاشلة ولم يعتبروا منها ولم يستفيدوا من دروس من يدّعون إخوانهم الذين نجحوا في الوصول للحكم كما هو الحال في تركيا ( في تركيا : تمت الاستفادة القصوى من تجربة حكم ارباكان القصيرة وإعادة دراستها بدقة من قبل اردوغان وفريقه المتميز والاستفادة منها ، كما تمت الاستفادة من بنية العقل التي أرساها ابن رشد قبل الأوربيين للوصول إلى الحقيقة في الحكم وتحكيم العقل والحرية الفكرية والنقد والمراجعة النقدية وقبول الآخر والديمقراطية السياسية).
في دول المغرب العربي التي يعتبر أبناؤها أنهم أحفاد ابن رشد فقد استفادوا إلى أقصى درجة من بنية العقل الاسلامي التي ارساها ابن رشد قبل الأوربيين الغربيين ، وطبقوها في أحزابهم ذات التوجه الإسلامي،وساهموا بقبول جميع مكونات المجتمع المغربي والعيش المشترك استنادا إلى صوت الشعب وصناديق الانتخاب التي تحدّد من يحكم الشعب بملء الحرية الشخصية .
لماذا لم يستفد إخوان المشرق من تجربة إخوان المغرب ؟ ببساطة لأنهم يعيشون جسديا في دول المشرق العربي لكن أرواحهم وعقولهم في قم الشيعية الفارسية(مع احترامنا لعقائدها حين تطبقها في ايران الفارسية بلدها ولا تستخدمها لقتل الشعب السوري الثائر) حيث اقتنعوا أنها السبيل الوحيد لوصولهم إلى الحكم في بلدان العرب بحكم التجربة الإيرانية التي لم ولن يدرسوا غيرها؟
وهكذا ،نجح إخوان المغرب في دولهم ، بينما سيبقى إخوان المشرق العربي يكرّرون فشلهم ويعيدون تجاربهم القاتلة تجاه أوطانهم وشعوبها لكن سلواهم وجود المرشد الأعلى وصاحب الزمان الذي سيوصلهم للحكم يوما ما ويغفر لهم ما تقدم وما تأخر من ذنوبهم الكثيرة جدا !!!

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.