الأيام _خُذنا بما ملكَت أرواحُنا

محمد المطرود

خذ الوحوشَ والغابةَ والفؤوسَ والحطابين وصيادي الأرانبِ والنكات وبناتِ آوى، وخذ ما يفيضُ عن حاجتنا، ويلزمُ لمن يلزم، واترك لنا طائراً صغيراً، نمتحنُ به صوتنا، وحملاً وديعاً نستدل به إلى القطيع.

خذ البحارَ السبع ـ فيما لو كانت سَبعاً ـ والبحيرات الصافية والأنهار والمحيطات وما اتفق عليه ليكون نداً لليابسة وطرفاً في جدل الخلقِ والحياة، واترك لنا ساقية عذبة، متحدرةٍ من سلالةِ المياه النقية بين كلِّ وفرة الملحِ تلكَ، لنعرفَ الحلو كيف يكونُ، وكيف يمكنُ لمن فاتَهُ الدلالُ، يدلله وبما يليقُ بهِ، فيكونان معاً، وجهانِ ينظران في بعضهما.

خُذ الأشجارَ، أشجار السرو العاليةِ، أشجار الزينة من الصنوبر والصندل والحشائشَ والخشب، الخشب الذي كانَ فتياً ويُسمىَّ شجرة، واترك لنا الدفلى فيما تتركُ شجراً كثيراً، حينَ كانتِ الغابةُ تتنفسُ، ولم تكن عرضةً للموت، افعل هذا، لنتعلمَّ المرَّ ونفعلهُ بعد أن قلناه كثيراً.

خُذَ الشارع بالأرصفةِ، بأعمدة الكهرباء المنصوبة كمشانق على ضفتيه، وبالعشاق والأطفال الذين تفلتُ عمداً كرتهم باتجاه المصابيح، بتلكَ المصابيح أيضاً وبذلك المقعد الوحيدِ تحتَها، خذ الطرقَ الأطول من شارع يمتدُ كلسان مشنوق والدروب الترابية بين حقول القمح وخيباتِ الحصادين، الحقول تلك حينَ كانت خضراء والريحُ تلعبُ بسنابلها، كما تلعب بذؤابات الأنثى، ثمَّ يبست، فاشتعلت فيها النار بفعل فاعل، ونامت القضية ضد مجهول، ثم صمنا جميعاً يومَ حقيقتنا، وسبتنا في المقدس ولم نصحُ بعد.. أما من أحدٍ يدق الأجراس، قالت البدويةُ نعم، وهَشّت على أغنامها، وغابت في الغيمةِ البعيدةِ/ البعيدة.

خذ هذه المسافةَ بين وجعين لامعين وامنحنا قدمين تسعيانِ إلى الله، لا لنصل إليه، وإنما لنختبر قدرتنا على التعب، قدرتنا على الصبر، جَلَدنا لو مشينا غداً وركضنا صوب المجهول الذي أذن بمجيئه ودُقّت أجراسُ وصولهِ، فو الله ليسَ لكَ إلا الريح تكلمها وبابٌ واحدٌ تخرجُ من روحكَ إلى الممكنِ الضيق، فاحزم جيداً للأيام، واقرأ، ستسألُ غداً، من أيّ بوابةٍ دخلتَ، وهل رأيتَ جنوداً غير جنود الخليفة وأتباعهِ من الزعران والخدَم؟!

خذ الرسلَ الذينَ أخطأوا في إيصالِ الرسائل شدة – لاتهب أذنك لمن سيتهمكَ بالهرطقة، اعلم أنّه لم يقرأ السِفرَ الجديد، واعمل لتمحوَ أميتهُ – وخذ القديسين والملوك الطواغيت والصور والأيقونات وهشاشة القلوب، والقلوبَ الصغيرةِ على المشي والبلوىَ والغرقِ في الحكايات الليلية والغابات والمطارات ومحطات القطارات وطرق السيارات السريعة والمخافر (الفيدرالية).

خذَ الجمرَ من الصدرِ والخوابي والخوافي من القادمات، ودع لنا من جمرِكَ بعضهُ، لنضيءَ في قلوبنا، فتأنس بنا البهائم والذئاب والحملان والولدان والديدان وشرور أنفسنا، واترك لنا من موجك زبداً، ومن وقتِكَ آنسة ضامرة رقراقة فرساً، لا لشيءٍ، إنما لنسكرَ بها، نطفو في كأسها ككراتٍ نحاسية.

خُذَ الأوهامَ، لا طاقة لنا على حملِها، كنا صغارا، ولم نكبر بعدُ، كبُرت أوجاعنا فينا، شابَ الحنينُ وشابت قلوبنا القاسية قبل، والطريةُ كبطيخ أحمر اليوم، وتوزعنا على المنافي والبحار والحرائق وطعنات الغدر وزلات اللسان، وصرنا – بجدارة – أرقاماً بعدَ أن كانَ لنا أسماءٌ وألقابٌ نكنىّ بها.

خذ بهذا القدر من الأوجاع، بهذه الشساعة من الأوهام، لدينا معاولنا فنحفر تحتَ أوهامنا، سنكيدُ بها، لتكبرَ معنا، سنوخزها كلما غفلت أو تعبت أو غشىَ عينها وسنٌ، نريدها أحلاماً تتناوق على أرواحنا القصيرة كثيراً.

خذَ الجغرافيا، نار القبائل، مراتعَ أغنامنا، مرابعنا، مساقط الذكريات من قبل الحرب وما بعدها، خذ ما تأخذ واتركنا لنا، لم يبقَ شيءٌ، كلما تفقدنا رقماً في غياب الأسماء رأينا شاهدة، اترك لنا دمعتنا وجسدنا المسجىَّ أمامنا لنبكي عليه. اتركنا لنا/ اتركنا لنا/ اتركنا لنا وخذ ما تأخذ منا أكثرَ مما أخذتَ، هذهِ التي تراها أمامك ليست أجساداً، إنما مفازاتٌ وما السكاكينُ المغروزةُ في طراوتها إلاَّ فزاعاتٌ حديديةٌ لا تحركها ريحٌ ولا يخيفها صوت!.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.