(( الأهميةُ الاستراتيجية لمؤتمر الرياض ))

بقلم : د. محمد عادل شوك:
هي المرة الأولى التي تلتقي كيانات المعارضة السورية، وفصائلها: العسكرية و السياسية، للخروج برؤية موحّدة لمستقبل سورية؛ فتتوالى التصريحات من الجميع، معلنة الرضا على الدعوة و الداعي، و لم يرشح عن أيٍّ منها ـ حتى التي لم تُدعَ ـ استباق أعمال مؤتمر الرياض بتوقع فشله، أو سرد لائحة الاتهام بحق بعضهم: تآمرًا، و تخوينًا.
و مردّ ذلك إلى جملة أسباب، منها:
1ـ الخشية من تحمّل تبعات ذلك أمام حواضنهم الشعبية، التي عادة ما تتأثر مصالحها بالمواقف التي تبديها تلك الكيانات، و الفصائل تجاه أيّة مبادرة، أو موقف تتبنّاه الدول صاحبة النفوذ في هذا الملف.
2ـ التحرك السياسي الجديد للمملكة في عهد الملك سلمان، تجاه الدول الإقليمية التي لها صلات مادية، أو معنوية مع هذه الكيانات و الفصائل، سواءٌ شاطرت المملكة سياستها تجاه هذا الملف كتركيا، أو قطر، أو تقاطعت معها في بعض جوانبه كمصر، و الأردن، و الإمارات؛ ما يجعلها تتوافق و المملكة فيما هي مقدمة عليه من تبني آفاق الحل السياسي على المدى المنظور، بناء على طلب من مجموعة العمل الدولية في فيينا، كي تبادر بجمع أطراف المعارضة السورية للخروج برؤية موحدة، و وفد موحد يتولّى التفاوض مع وفد النظام للشروع في المرحلة الانتقالية المزمع الشروع بها.
3ـ الميل إلى الواقعية في النظرة إلى مآلات الحلّ، ولاسيّما بعد انسداد آفاقه عقب التدخل الروسي الأخير، و إلقائه بكلّ الأوراق على الأرض السورية، بغية إحداث اختراق عملياتي يُرجِّح رؤيته في الإبقاء على الأسد خلال المرحلة الانتقالية، و هو الأمر الذي جعل فصائل إسلامية، و على وجه التحديد ( أحرار الشام، و جيش الإسلام ) غير متمسكّة بآفاق الحلّ، التي كانت تتمسك بها من قبل.
4ـ النقلة النوعية في التحرك السعودي تجاه هذا الملف، إذْ عادة ما توصف سياستها بالبطء الحذر تجاه ملفات المنطقة؛ نظرًا لاتساع دائرة اتخاذ القرار عند أربابه، على خلاف دولة قطر التي لا تتعدّى دائرته أصابع اليد الواحدة، ما يجعلها سريعة التحرك فور اقتضائه؛ إذْ من غير المتوقع أن تقدم السعودية على تبني هذا المؤتمر، لو لم تكن قد تلقّت وعودًا بجدية الحلّ هذه المرة من الدول صاحبة النفوذ، و لا أدلّ على ذلك من حضورها إليه، لإحداث اختراق في حال حدوث أيّ استعصاء في جدول أعماله.
و هذا ما يجعل المراقبين يشعرون بالجدية في التعاطي مع الملف السوريّ هذه المرة، إذْ جاء تحرك المملكة عقب لقاءات فيينا، و بطلب من المجموعة الدولية، و بيان ( فيينا 3 ) قد انطوى على مجمل العناصر التي يمكن أن تسهّل عليها المهمة، فالمجموعة الدولية عبّرت بوضوح عن استرشادها ببيان ( جنيف 1 )، و القرار الدولي ( 2118 ) ، الذي يتضمّن نص ذلك البيان، و يضفي عليه مزيدًا من الشرعية، و هي قد اتفقت على ضرورة دعوة ممثلي النظام و المعارضة إلى مفاوضات بإشراف الأمم المتحدة ( بأسرع وقت ممكن )، و حددت لها موعدًا مبدئيًا هو ( 1/1/2016 ).
ناهيك عن أن الملفات العالقة في المنطقة باتت الآن بحاجة إلى حلحلة، أكثر من أيّ وقت مضى، و قد بدأت بوادر ذلك تظهر على الملأ، كملف انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان حيث أخذت لقاءات ( الحريري ـ بري ) تثمر عن التوافق على ترشيح سليمان فرنجية، على الرغم من قربه من فريق ( 8 آذار )، و هو ما باركته المملكة، إن لم نقل بادرت إليه أصلاً؛ تمهيدًا لحصول اختراق في الملف اليمني، المرتبط عضويًا بالملف السوريّ، كون اللاعب فيهما هو اللاعب ذاته.
لذلك حريٌّ بهذه الكيانات، و الفصائل التي ستجتمع غدًا في الرياض، و على مدى يومين، أن تشكّل وفدها للشروع في عملية تفاوض تخرج سورية من هذا الاستعصاء الرهيب.
و هو أمرٌ غير مسبوقٍ على أيّة حال، إذْ لم تشهد سورية منذُ خمسين عامًا لقاءاتٍ ندّيةً بين نظامٍ و معارضة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.