الأنثى في الأسطورة.. إعادة تصويب ثقافي حول القمع النسوي

ثقافة أسطورة في مجتمعات قديمة – كان فيها النظام الطبقي شائعاً جداً – احترمت المرأة ورفعتها بطريقة أكثر من رائعة، دون أن نقيس ذلك الاحترام البدائي على تطورنا في عالم اليوم، إنما أن ننظر إليه كتاريخ كان قائم في لحظته.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

عندما كان تلالتكوهتلي، إله الأرض المتوحش لدى الأزتك يبتلع الشمس في المساء ويقذفها من جوفه في الصباح، كان الملك يُفقِد العذارى دمائهنّ لتجديد شباب الإله، ورؤوس الذكور توضع على مصطبة حجرية ليُطاح بها كي تشبع جوع الإله؛ الأنثى تُجدّد الشباب لكن الذكر فيُشبِع الجوع.

وعندما ضحّى أودين، الإله الإسكندنافي، بنفسه كي يحمي البشر والمعرفة والاستمرار للنوع الإنساني من خلال الدماء الحيضية في دورة القمر، أضحت ثقافة التضحية بالذكر أساس الوجود المعرفي لتلك البلاد؛ الأمر نفسه يُقاس على الشعوب في العالم القديم، وحتى الإمبراطوريات الكبرى كالفُرس والفراعنة والصينيين؛ وحتى القبائل الإفريقية التقليدية في التاريخ وبقائها كقبائل دون تحولها إلى إمبراطوريات كبرى.

المجتمعات القديمة بحضورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، (كي لا يُحيل البعض من المثقفين، قمع المرأة إلى التقسيم الطبقي)، تتسم جميعها بفكرة مشتركة، وهو تقسيم الدور التاريخي الجندري كسياق موحّد.

لا وجود في المجتمعات القديمة ما يُسمّى التضحية بالأنثى، فالأنثى أهم في حضورها ووجودها من أن يتم التعامل معها كشيء كلي لإرضاء الآلهة، إنها أهم بكثير من ذلك، ما عدا حالات استثنائية؛ كانت مهمة الأنثى تتجسد بعدة نقاط، لكن أهمها هي قدرتها على خلق الكيانين الثنائيين، وهما الذكر ليكبر ويصبح أضحية للآلهة، والأنثى التي ستكبر وتصبح قادرة على إعطاء دمائها العذرية للحفاظ على شباب الآلهة، ودورها في الإنجاب من جديد.

المجتمعات القديمة بحضورها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كي لا يُحيل البعض من المثقفين، قمع المرأة إلى التقسيم الطبقي، تتسم جميعها بفكرة مشتركة، وهو تقسيم الدور التاريخي الجندري كسياق موحّد.

طبعاً داعمي الحركة النسوية الحديثة، قد يعتبرون ما قيل هو جوهر المشكلة التاريخية لبقاء الأنثى في حيز من العبودية والقهر داخل المجتمعات البطريركية لاحقاً؛ لكن ما أتحدث عنه هو هذه المغالطة نفسها في إحالة التاريخ القمعي إلى مرحلة مبكرة من السيطرة، وتجريد المفهوم الحديث وإسقاطه بالدور المنوط للمرأة في مجتمعات اليوم كمفاهيم العذرية والدماء، كامتداد من ذلك التاريخ، دون أن يتم النظر بشكل كامل لهذه اللوحة الثقافية.

إنه اختلاف ثقافي وحضاري ووجودي بين زمنين، فمثلاً إسقاط مفهوم العذرية في وعي اليوم على عذرية التاريخ في المجتمعات القديمة باعتبارها عنصر للحياة وليس للشرف، هو مغالطة للحضارة، التي لا نفهمها في عصرنا المتطور هذا ووعينا العميق الذي ننسبه لأنفسنا.

أولاً نحن نتعامل مع مجتمعات بدائية، فهي تلقائياً غير عادلة بالمعنى الحديث الذي نفهمه كمفاهيم العدالة، لكن بالنسبة للحضور التاريخي في تلك المجتمعات، يتوضّح جلياً التفوق الأنثوي وأهميته واحترامه الوجودي على الحضور الذكري.

ثانياً تلك المجتمعات القديمة ليست بطريركية كما يحاول البعض الترويج لها، لتفسير تاريخ الخضوع الأنثوي؛ فعملية إحالة تاريخ القمع النسوي إلى تلك المرحلة البدائية هو ضرب من هراء، ربما لأنّ البعض يريدون تبرئة تسييس الأيديولوجيا الدينية في دورها من خلال سيطرة المجتمع الذكوري الذي فعلتّه تسييس الأديان، أو عدم فهم كافي للمجتمعات القديمة وأساطيرها المتوارثة التي رفعت فعلياً شأن المرأة؛ وهذه نقطة حساسة في الفهم الثقافي، فالسيطرة في المجتمعات القديمة التي نتحدث عنها هنا، هي سيطرة الملك الإله على الجميع، دون رفع الشأن الذكري على الأنثوي، بل على العكس هو انحطاط للدور الذكري في خط الدفاع الأول أو الهجوم الأول للتضحية به، إذا لم يكن من أجل الآلهة فهو على أعتاب الموت في الحروب أو تحت عذابات البناء والتشييد المعماري.. الخ.

النظام البطريركي هو عندما يكون للنظام الاجتماعي قدرة سيطرة وإعطاء الطبقات المسحوقة من المجتمعات ذلك التفوق الذكري بكافة الامتيازات الهامشية والوضيعة على المرأة، كأنّ يرتكب ذكر عملية اغتصاب، فيتم تبرئته باسم القانون والمجتمع وتجرّم الفتاة اجتماعياً وقد تُقتل.

هذا التصوّر غير موجود في المجتمعات القديمة، لأنّ الأنثى تمتلك عذرية تجدد الشباب الإلهي والملكي، أما الذكر فلا فائدة منه سوى أن يكون أضحية لإشباع الآلهة. قيام ذكر – لا يمت للملوك بصلة – باغتصاب فتاة، هو انتهاك لفكرة الوجود الإلهي وسيطرته وليس الوجود الذكري كطبقة اجتماعية؛ المُغتصب في تلك المجتمعات مصيره شنيع.

النظام الاجتماعي القديم ليس بطريركي كمعنى سيطرة أي طبقة ذكرية على الأنثى، فعبودية الأنثى أن تكون محظيّة الملك أو إعطاء عذريتها للإله، لكن عبودية الذكر أن يكون طعاماً.. وهنا السؤال، أيهما فعلياً يمتلك تقنيّة الحضور الوجودي المستمر والحي؟ برغم أن كليهما عبدين لفكرة الملك الإله! الأنثى المحظيّة المُنتِجة وجودياً وثقافياً في الوعي الجمعي القديم، أم الذكر الأضحية إن لم يكن قادراً على فعل شيء كقتال أو تفكير أو عمل!.

قد يخرج الآن البعض ليُعيدوا تصويب وجهة نظرهم أو دعمها بشكل عكسي بالقول: “أنّ عدم التضحية بالمرأة لأنهم يعتبرونها كيان أقل”. وهنا لن أتحدث عن مثل تلك الردود لأنها أصلاً تنظر لأي تساؤل يهزّ القناعة الراسخة لديهم نظرة ريبية.

كل ما في الأمر هو محاولة لإعادة تصويب جزء من ثقافة تُحيل التاريخ إلى معنى جاهز في الوعي القائم، من أنّ سبب السيطرة على النساء تاريخياً، هو نظام تشكّل في عمق التاريخ منذ انقسامه الطبقي بحسب البعض، وامتداده حتى اليوم.

طبعاً هنا لا أدافع عن شيء ولا أتهجّم على شيء كما قد يظّن البعض، كل ما في الأمر هو محاولة لإعادة تصويب جزء من ثقافة تُحيل التاريخ إلى معنى جاهز في الوعي القائم، من أنّ سبب السيطرة على النساء تاريخياً، هو نظام تشكّل في عمق التاريخ منذ انقسامه الطبقي بحسب البعض، وامتداده حتى اليوم.

كل ما أحاول قوله إن عبودية المرأة كأنظمة سيطرة ذكورية، لم تتشكل في ذلك العصر القديم كما يحاول البعض ترويجه وإحالته إليه، بل تشكّلت في أنظمة لاحقة عن ذلك بكثير، أنظمة اعترفت بسلطة المجتمع وطبقاته جميعها، أنظمة اعترفت بسلطة الكهنة كسلطة أعلى من سلطة الملك وسلطة الإله نفسه؛ إنها بالضبط تلك اللحظة التاريخية التي تشكّلت فيها أول أيديولوجيا للتوحيد.

بطبيعة الحال، كل ما قيل قد يكون نظرة مختلفة قليلاً عن فكرة عبودية الأنثى لتاريخ سحيق، كما يتبناها بعض دعاة النسوية الحديثة، إنها صورة مختلفة للبحث وراء اللحظة التي تشكّل فيها قمع المرأة بشكل حقيقي، دون ترويج وهمي.

ثقافة أسطورة في مجتمعات قديمة – كان فيها النظام الطبقي شائعاً جداً – احترمت المرأة ورفعتها بطريقة أكثر من رائعة، دون أن نقيس ذلك الاحترام البدائي على تطورنا في عالم اليوم، إنما أن ننظر إليه كتاريخ كان قائم في لحظته.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.