الأميّة الثقافية ومحنة اللغة اللعوب – أحمد يوسف

يا الهي ما اصعب اللغة العربية وما اصعب قواعدها! لم اكن في صغري احب قواعد الاملاء وأنا الذي يمقت كل القواعد. كانت جدتي عليا الامية تجيب على اسئلتي عن كيفية كتابة كلمة (هذا)، هل هي بألف ممدودة (هاذا) ام بدون الف، بالقول: اي منهن احلى بالف ولا بدون الف؟ عند جدتي الجمال هو معيار الصواب والخطأ فكل جميل صواب وكل قبيح خطأ. للأسف لم تكن نظريتها صالحة لا لقواعد الاملاء ولا لأي قواعد اخلاقية كانت ام علمية ام لغوية. ولم اكن الوحيد الذي يعاني من مشاكل اللغة فسياسة البعث القومية العربية جعلتنا اميين في كل شيء حتى في اللغة العربية. فحين دخولي قسم الفلسفة في جامعة تشرين اكتشفت ان لدينا جيشا من المثقفين الاميين. ففي محاضرة حضرها كل اساتذة الجامعة اخذ رئيس قسم الفلسفة برهان مهلوبي يضم المنصوب وينصب المجزوم ويصرف كل ما هو ممنوع للصرف حتى بدا وكأنه في حفلة ثأرية من اللغة. لم يدعه عميد الكلية يكمل محاضرته لأنه كان يخطئ صدفة في كل كلمة يقولها. اما الطلاب فكان منهم من فقد حتى لغته العامية في محاولته لقلب القاف الفا فهكذا كان بعضهم يلفظ اسم الزقزقانية (وهي حي من احياء اللاذقية): الزأزقانية، ليلفظ القاف مرة الفا ومرة قافا في الكلمة الواحدة. وحده الدكتور ابراهيم رزوق من لم يكن يعاني من مشكلة اللغة العربية لأننا كنا نحن من يتلو المحاضرة ونحن من نتبع بالأصابع خلف من يتلو بينما يكتفي هو بأن يحدثنا عن حياته ومغامراته في روسيا. وعانى مجمع اللغة العربية في جامعة تشرين من الاوجه الجائزة في اللغة العربية لتجد تبدلا دائما بصياغة الاسئلة الامتحانية فمرة تأتي بصيغة (اختر واحدا من السؤالات التالية) ومرة (اجب عن الاسئلة التالية). طبعا لم يصدف ولا مرة ان استخدموا صيغة (اجب على الاسئلة التالية). لحسن الحظ ان جيل المدرسين الجدد من اصدقائي هم في اغلبهم (بيلانج) يتقنون العامية بامتياز ويعرفون بعضا من الفصحى (بلطشو تلطيش بالفصحى). ولا يعتقدن احد بأن اللغة سهلة، ففي ذاكرتي الكثير من التجارب في محنة التعلم تكشف عن صعوبة هذه اللغة اللعوب. ففي جلسة من جلسات الاملاء كنت اتدرب بها على الكتابة مستفيدا من حضور ابي الذي كان يحلق ذقنه في منتصف البيت_ وأبي هذا حاصل على شهادة صف السادس الابتدائي وهي اكبر درجة علمية نالها شخص من عائلة بيت هرموش في حينها_بدأت اسئلتي عن كيف تكتب كلمة مائدة وثم عن كلمة المرء والمرأة وعن كل صيغ كتابة الهمزة في توسطها وفي تطرفها. وكنت من حين لآخر استفيد من تجاوب ابي معي لأطرح اسئلة ميتافيزيقية عن ولادتي كيف ومتى وأحيانا عن لماذا وكان ابي يجيب بهدوء على كل اسئلتي وهو الرجل الطويل البال الصبور البشوش. كثرت اسئلتي في كل شيء وعن كل شيء وأخذت احيانا شكل جدال وسجال يبحث عن التبرير ولا يكتفي بمعرفة الصواب من الخطأ. وحين اخذت اسأل عن طريقة كتابة كلمة المسؤول والمسؤولين كانت جراح ابي قد انتشرت على ذقنه كلها. تكتب على واو، هكذا قال ابي بوثوقية حاسمة جازمة. عقبت انا بالقول بان جدي يقول بأنها تكتب على نبرة. اخذ ابي يفقد صبره وساد صمت. اخذت الح انا كعادتي حين يجب ان لا الح: وين بحط الهمزة؟ على نبرة ام على واو؟ لم يعقب ابي فظننت انها فرصتي لأهزم ابي لغويا لطالما كنت على علم بأنها تكتب بطريقتين على نبرة وعلى واو. وين بحط الهمزة في المسئول؟ هكذا اخذت اكرر طرح اسئلتي وكأنني شريط مسجل. وين بحط الهمزة في المسئول؟ فخرج ابي الذي لا يطيق المسؤولين عن طوره بعدما سلخ ذقنه سلخا قائلا: حطها بطيزه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.